الجمعة 15 مايو 2026 08:22 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : ٱه يابلدنا ....كل زعبولة في زعبولتها… وماحدش داري بشيء

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في زمنٍ لم يعد فيه أحدٌ يلتفت لوجع أحد، أصبح كل إنسان يحمل همّه فوق كتفيه ويسير صامتًا، كأن الدنيا أغلقت أبواب الرحمة، وتركت الناس تتصارع مع الحياة وحدهم.
وأصبحت العبارة التي تتردد في الشوارع والبيوت والمواصلات وعلى المقاهي:
“كل زعبولة في زعبولتها… وماحدش داري بشيء.”
الكل غارق…
الأب يفكر كيف يعود إلى بيته آخر الشهر دون أن تنكسر هيبته أمام أولاده.
والأم تُخفي دموعها وهي تقسم الطعام حتى يكفي الجميع.
والشاب ينظر إلى المستقبل وكأنه بابٌ مغلق لا مفتاح له.
والعجوز يجلس في صمتٍ يراقب الأسعار وهي ترتفع أسرع من نبض قلبه المتعب.
أصبح المواطن البسيط يستيقظ كل يوم على زيادة جديدة، وكأن الحياة دخلت سباقًا مع القدرة البشرية على التحمّل.
فاتورة الكهرباء نار…
وأسعار الطعام نار…
والدواء نار…
والإيجارات نار…
حتى أبسط الأشياء التي كانت تُشترى بلا تفكير، أصبحت تحتاج إلى حسابات واجتماعات ومناقشات طويلة داخل كل بيت.
تحوّل الراتب إلى ضيفٍ خفيفٍ يزور البيوت لساعات ثم يختفي، تاركًا خلفه ديونًا وطلبات واحتياجات لا تنتهي.
وأصبح كثير من الناس لا يعيشون الحياة، بل يطاردون فقط فكرة “الستر”.
الغلابة الآن لا يطلبون رفاهية، ولا قصورًا، ولا أحلامًا مستحيلة…
كل ما يريدونه هو الأمان.
أن ينام الأب دون خوفٍ من الغد.
أن تجد الأم ما يكفي أبناءها دون أن تستدين.
أن يشعر الإنسان أن تعبه في الحياة له قيمة، وأنه لن يُهزم كل يوم أمام الأسعار.
لكن الوجع الحقيقي ليس فقط في الغلاء…
الوجع في الإحساس بالعجز.
حين يرى الإنسان نفسه يعمل ليل نهار، وفي النهاية لا يستطيع تلبية أبسط احتياجات بيته.
حين يصبح المرض رفاهية لا يقدر عليها الفقير.
وحين تتحول الحياة إلى معركة يومية للبقاء فقط.
وفي الزوايا البعيدة، هناك دعوات لا يسمعها أحد إلا الله…
دعوات أمٍّ رفعت يديها في آخر الليل بعدما عجزت عن شراء احتياجات بيتها.
ودعوات أبٍ كتم قهره حتى لا يراه أولاده ضعيفًا.
ودعوات شابٍ أنهكه السعي دون أن يجد بابًا مفتوحًا.
ودعوات أرامل ومساكين وبسطاء لا يملكون إلا الصبر والكلمة الطيبة.
هذه الدعوات ليست سهلة…
فدعوة المقهور تصعد مباشرةً إلى السماء، تحمل معها وجع السنين وقهر الأيام.
والفقير حين يضيق به الحال لا يملك إلا ربّه، وربّ العالمين لا ينسى دمعة مظلوم ولا تنهيدة محتاج.
لقد أصبحت الحياة قاسية إلى درجة أن كثيرًا من الناس فقدوا القدرة على الشكوى، واكتفوا بالصمت.
والصمت أحيانًا أخطر من الكلام، لأن خلفه قلوبًا منهكة من كثرة ما تحملت.
فالناس لم تعد تبحث عن الرفاهية، بل تبحث عن رحمة… عن شعور بأن هناك من يسمعها ويفهم معاناتها.
ووسط كل هذا، يبقى الشعب المصري رغم تعبه شعبًا صبورًا، يحمل في قلبه قدرة عجيبة على الاحتمال.
يضحك رغم الضيق، ويجامل رغم الوجع، ويقف بجوار غيره حتى وهو يحتاج من يقف بجواره.
لكن حتى الصبر له حدود، وحتى القلوب القوية تتعب حين يطول عليها الحمل.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس الفقر وحده، بل شعور الناس بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الحياة.
فالإنسان قد يتحمل الجوع، لكنه لا يتحمل الإحساس بأنه غير مرئي، وأن وجعه لا يهم أحدًا.
أما عن عنوان المقال: “كل زعبولة في زعبولتها… وماحدش داري بشيء” فهو ليس مجرد تعبير ساخر يتداوله الناس على المقاهي أو في الأحاديث اليومية، بل أصبح وصفًا حقيقيًا لحال البسطاء في هذا الوطن.
فـ”الزعبولة” هنا ترمز إلى الهموم الثقيلة والمشكلات المتراكمة التي يحملها كل إنسان فوق كتفيه، حتى صار كل بيت يعيش داخل دوامة خاصة به، وكل أسرة تقاتل وحدها في معركة الحياة دون سندٍ أو راحة.
وأصبحت العبارة الساخرة تحمل في داخلها وجعًا كبيرًا، لأن الناس لم تعد تجد وقتًا لتشعر ببعضها البعض، بعدما أصبح الجميع غارقين في أزماتهم الخاصة.
فالأب يحمل همّ الطعام والإيجار والفواتير، والأم تحمل خوفها على أولادها من الجوع والحاجة، والشاب يحمل خوفه من مستقبلٍ ضبابي، والعجوز يحمل حسرة عمرٍ طويل انتهى به إلى العجز وقلة الحيلة.
ولهذا قيلت العبارة وكأنها ضحكة موجوعة خرجت من قلب الفقراء:
“كل زعبولة في زعبولتها… وماحدش داري بشيء.”
وفي خضم هذا الواقع القاسي، لم تعد الأزمة مجرد أرقام أو ارتفاع أسعار فقط، بل امتدت لتضرب أساس المجتمع نفسه، حتى أصبح الحلال صعبًا والحرام سهلًا أمام كثير من الناس.
فالإنسان حين يُحاصر بالعجز والاحتياج والضغوط المتواصلة، يصبح فريسة سهلة للانكسار، ويبدأ بعض الضعفاء في البحث عن أي طريق للهروب من قسوة الحياة، مهما كان الثمن.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية… حين يصبح الشريف متعبًا لأنه يتمسك بالحلال، بينما يرى أبواب الحرام مفتوحة بلا عناء.
لقد أصبح كثير من الشباب يقفون عاجزين أمام فكرة الزواج نفسها، بعدما تحول بناء بيتٍ بسيط إلى حلمٍ يحتاج إلى سنوات طويلة من الكفاح.
فالشاب الذي كان يحلم بزوجة وبيت وأطفال، أصبح بالكاد يستطيع توفير قوت يومه، فكيف له أن يتحمل إيجارًا مرتفعًا، ومتطلبات معيشة لا ترحم، وأسعارًا تتضاعف بلا توقف؟
ولهذا عزف كثير من الشباب عن الزواج، ليس كرهًا فيه، بل خوفًا من الفشل والعجز وقلة الحيلة.
أما من تزوجوا بالفعل، فكثير منهم دخلوا الحياة الزوجية وهم يحملون فوق أكتافهم جبالًا من الضغوط، فدخل التعب إلى البيوت قبل أن تدخل الراحة، وتحولت الخلافات اليومية إلى نارٍ تأكل المودة شيئًا فشيئًا.
فالزوج يركض خلف لقمة العيش حتى أنهكته الحياة، والزوجة تحمل فوق قلبها خوف المستقبل ومتطلبات البيت والأبناء، وبين هذا وذاك تضيع الرحمة أحيانًا تحت ضغط الاحتياج.
ولهذا ارتفعت حالات الطلاق بصورة موجعة، ليس دائمًا بسبب انعدام الحب، بل لأن الحياة أصبحت أقسى من قدرة الناس على الاحتمال.
فكم من بيتٍ هُدم بسبب فاتورة، أو دين، أو عجز عن توفير احتياجات أساسية.
وكم من زوجين كانا يتمنيان الاستمرار، لكن الظروف كانت أقوى منهما.
إن المجتمع حين يُرهق شبابه إلى هذه الدرجة، فإنه لا يخسر المال فقط، بل يخسر الاستقرار والطمأنينة والأمل.
فالشباب الذين كان يجب أن يبنوا بيوتًا ويصنعوا مستقبلًا، أصبحوا يعيشون في خوفٍ دائم من الغد، وكأن الحياة تحولت إلى معركة لا تنتهي.
تبقى الشوارع مزدحمة بالبشر، لكنها في الحقيقة مليئة بالقلوب المنهكة.
كل وجهٍ يحمل حكاية وجع، وكل بيتٍ خلف بابه قصة صامتة لا يعلمها إلا الله.
هناك أسرٌ كاملة تعيش على الأمل فقط، وأناسٌ أصبحوا يؤجلون احتياجاتهم الأساسية لأن القدرة لم تعد تكفي، وأمهاتٌ يبتسمن أمام أولادهن بينما القهر يأكل أرواحهن في الخفاء.
أصبح الفقير يخجل من الشكوى، لأنه يعلم أن الجميع متعبون مثله.
وأصبح البسيط حين يسأله أحد: “عامل إيه؟” يبتسم ابتسامة باهتة ويقول: “الحمد لله”… بينما داخله مليء بالانكسار.
فالناس لم تعد تخاف من الفقر فقط، بل أصبحت تخاف من الأيام نفسها، من مفاجآت الغلاء، ومن عجز الجيوب، ومن احتياجات البيوت التي لا تنتهي.
وكم من أبٍ خرج من بيته قبل الفجر يبحث عن رزقٍ حلال، وعاد آخر الليل يحمل الخيبة لأنه لم يستطع أن يحقق لأبنائه ما تمنّوه.
وكم من أمٍّ نامت دون عشاء حتى يأكل أطفالها.
وكم من شابٍ دفن أحلامه لأنه أدرك أن الواقع أقسى من الأمنيات.
وكم من عجوزٍ جلس في صمتٍ يتأمل الدنيا بعدما أفناه التعب، ليجد نفسه في آخر العمر غير قادر حتى على شراء دوائه.
إن الوجع الحقيقي ليس فقط في قلة المال، بل في الإحساس بأن الحياة أصبحت أقوى من الناس.
حين يتحول الإنسان إلى آلة تعمل بلا راحة، ثم يكتشف أن كل تعبه لا يكفي ليعيش حياةً كريمة.
وحين يصبح الحلم البسيط عبئًا، والاحتياجات العادية أمنيات بعيدة.
لقد تغيّرت ملامح البيوت…
فالضحكات قلت، والجلسات الهادئة اختفت، والقلق أصبح ضيفًا دائمًا على موائد المصريين.
حتى الأطفال لم يعودوا يفهمون لماذا أصبح كل شيء صعبًا، ولماذا أصبح الأب صامتًا أغلب الوقت، ولماذا تبكي الأم أحيانًا دون سببٍ واضح.
ومع كل هذا الألم، لا يزال الفقراء يتمسكون بالله، لأنهم يعلمون أن الأرض قد تضيق، لكن السماء لا تغلق أبوابها أبدًا.
فيرفعون أيديهم كل ليلة بدعوات خرجت من قلوب مكسورة، يدعون بالفرج والرحمة والستر، بعدما أثقلتهم الحياة بما يفوق طاقتهم.
وفي وطنٍ كان دائمًا معروفًا بالجدعنة والرحمة والتكافل، أصبح كثير من الناس يشعرون بالغربة داخل أيامهم، وكأن كل إنسان يسير وحده في طريق طويل لا يسمع فيه إلا صوت أوجاعه.
ولهذا ستظل تلك العبارة الساخرة تختصر المشهد كله:
“كل زعبولة في زعبولتها… وماحدش داري بشيء.”
ضحكة حزينة قالها الفقراء كي يخففوا بها قهرهم، لكنها في الحقيقة صرخة موجوعة خرجت من قلب وطنٍ أثقلته الحياة، ومن صدور بسطاء لم يعودوا يريدون من الدنيا إلا الرحمة والستر وقليلًا من الأمان.

حسين السمنودى ٱه يابلدنا ....كل زعبولة في زعبولتها… وماحدش داري بشيء الجارديان المصريه