الجمعة 15 مايو 2026 09:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوي يكتب : وأتممناها بعشر

دكتور علاء الحمزاوي
دكتور علاء الحمزاوي

ــ هذا العنوان مقطع قرآني من قول الله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}، واستخدم القرآن الفعل {واعدنا} ولم يستخدم (وعدنا)؛ لأن (وعد) يقع من أحد الطرفين للآخـر كقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، إنما الفعل (واعد) من المواعدة يفيد المشاركة في الحدث، أي أن كلا الطرفين وعـد الآخر بشيء أو توافقا على شيء، فقيل: إن الله وعد موسى بالتوراة وأمره بالحضور للمناجاة فوعده موسى بالامتثال والطاعة، وقيل: وعد موسى قومه إن أهلك الله فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره الله بصيام شهر ذي القعدة قبل إنزال الكتاب؛ لأن التخلية قبل التحلية، فالصيام تخلية القلب من كل شيء إلا الله، والتكليم ونزول التوراة تحلية، فلما أتـم صيام الشهر أنزل الله عليه التوراة وكلَّمه في عشر ذي الحجة فهي أيام مباركة، وقيل: لما صام ثلاثين يوما أنكر رائحة فمــه فتسوَّك؛ لأن السواك مطهرة للفـم ومرضاة للرب، فقالت له الملائكة: كنا نشم من فمك رائحة المسك فأفسدتَها بالسواك؛ لأن «خُلُوف فمِ الصَّائِمِ أطيَبُ عِندَ اللهِ مِن ريحِ المِسكِ»، فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة فصامها، وذلك تفسير {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}، وأيا ما كان التفسير فإنه يدل على فضل عشر ذي الحجة، وقال الله: {لَيْلَةً} ولم يقل: (يوما) مع أن الصيام بالنهار؛ لأن بداية الأشهر العربية تُحسب بالليالي، فالشهر يبدأ بظهور الهلال ليلاً، والليلة عند العرب تشمل النهار الذي يليها، فضلا عن أن الليل أنسب للتعبُّد من النهار؛ لذا قال الله للنبي: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}.
ــ وفي تلك العشر أكمل الله الدين للأمــة؛ حيث نزل على النبي يوم عرفة أو يوم العيد قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وإضافة الدين للمخاطبين {دينكم} تشريف للأمة وتحفيز لها على الالتزام به، وإكمال الدين لا يعني أنه كان ناقصا، إنما المراد أن أحكامه فُرضت تدريجيا حت اكتملتْ في ذلك اليوم، وصارت صالحة لكل زمان ومكان، فالمراد بالدين هنا الحدود والفرائض والحلال والحرام والنصر على الأعداء والتمكين من أداء الحج ومنع المشركين من الطواف، وإضافة النعمة لله {نعمتي} إقرار بأن الله وحده هو المنعم المستحق للحمد والشكر على نعمه التي لا تحصى، وأعظمها الإيمان والقرآن والنبي، وفي ذلك اليوم أتمها الله بإزالة دولة الشرك وإعلاء دولة الإيمان، ومعنى {رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} أن الله اختار لنا الإسلام دينا، فما أجمل أن ندين بدين يرضاه الله لنا ! فوجب علينا الالتزام بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه، وكل هذا يؤكد أن عشر ذي الحجة هي خير الأيام عند الله.
ــ وفي سياق آيات الحج قال ربنا: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وهو أمْـر للحجاج بأن يستغفروا ربهم توبــة وشكرا على أداء الحج، وجاء الشكر استغفارا؛ لأن الموقف موقف تضرُّع وتذلُّل وثناء، ويحتمل أنه أمـر للأمة بالمزيد من الاستغفار في عشر ذي الحجة؛ لأنها أفضل الأيام عند الله في العمل الصالح، وهذا ما أكده النبي فقال: «ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها خَيْرٌ وأَحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ»؛ ومن ثم فاضل العلماء بينها وبين العشر الأخيرة من رمضان، فقالوا: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان؛ لأن فيها أفضل ثلاثة أيام في الدهـر: يوم عرفة ويوم النحر ويوم القَــرِّ، وليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر أفضل ليلة في الدهر.
ــ وترتب على ذلك اختلافهم في المراد بالليالي في {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} هل هي عشر رمضان أو عشر ذي الحجة؟ والأرجح أنها أيام ذي الحجة، ولا مانع أن تشملهما؛ لذا عُـبِّـر عنها بالليالي، وهو من باب التوسعة في اللغة، والفجر هو فجر يوم العيد فهو يوم متفرد؛ لأن الله جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله؛ لأن يوم عرفة له ليلتان: ليلة قبله وليلة بعده، والدليل أن من تأخر عن عرفة فوقف به قُبَيل فجر العيد فقد أدرك الحج، وجاءت {لَيَالٍ} نكرة للتعظيم، فهي وقت مناسك الحج، فيها الإحرام ودخول مكة وأعمال الطواف، وفيها ليلة التروية وفيها يوم عرفة ويوم النحر.
ــ والعمل الصالح في هذه العشر مطلق يشمل كل شيء مستحب كالصيام والصلاة والتصدق والدعاء والذكر وقراءة القرآن والصلاة على النبي والأضحية، وليس للصيام خصوصية في الفضل، فقد صـحَّ عن عائشة قولها: «مَا رأيتُ رَسولَ اللَّهِ صامَ العَشرَ قطُّ»، لكن ورد عن حفصة «أربع لم يكن يدعهن رسول الله: صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر وركعتان قبل الغداة»، والركعتان هما سُنة الفجر، والعلماء مختلفون في صحته، ووفَّق العلماء بين الحديثين بأن نفي الرؤية لا ينفي الفعل؛ فالمثبِت مقدَّم على النافي، فكون عائشة لم تـر النبي صائما لا يستلزم عدم صيامه؛ لأن النبي كان يدور على نسائه في تسع ليالٍ، فلعله صام بعض السنوات ولم يصم بعضها لسفر أو مرض أو انشغال، ولم تلتفت السيدة عائشة إلى صيامه لاشتغاله بأمور كثيرة، والثابت باتفاق هو استحباب صيام عـرفة والنهى عن صيام العيـد.
ــ وأعظم العمل في العشر هو الذكر لقول النبي: «فأكثروا فيهنَّ منَ التَّهليلِ والتَّحميدِ والتسبيح والتَّكبيرِ» فلماذا؟ تشبيها بالحُجَّاج حيث قال الله فيهم: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ} فهي أيام عشر ذي الحجة، وجزاء ذلك الجنة؛ ففي الحديث «ما أَهَلَّ مُهِلٌّ قطُّ إلَّا بُشِّرَ، ولا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قطُّ إلَّا بُشِّرَ، قيل: بالجنةِ؟ قال: نَعَمْ»، الإهلال رفع الصوت بالذكر مطلقا أو التلبية بالحج والعمرة، والمعنى أن مَن ذكر الله تلبية أو تسبيحا وتكبيرا وتحميدا وتهليلا بشرته الملائكة بالجنة عند موته وفي قبره وعند بعثه، وأفضل الذكر «الله أكبر الله أكبر الله لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد»، وأفضل الاستغفار سيد الاستغفار.

دكتور علاء الحمزاوي وأتممناها بعشر الجارديان المصريه