السبت 16 مايو 2026 08:38 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب : النكبة 78 مأساة شعب تتجدد فى غزة

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

يحل الخامس عشر من مايو عام 2026 ومعه تحل الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية فى توقيت لم يعد فيه الحدث مجرد صفحة مطوية فى سجلات التاريخ بل واقعا حيا ينزف دما وتتجدد فصوله المأساوية أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع أنها ذكرى تتزامن مع واقع عربى واقليمى يفيض بالمرارة والتساؤلات الصعبة وتضع الضمير العالمى فى اختبار سقوط أخلاقى غير مسبوق
فى مثل هذا اليوم من عام 1948 م اقتلع شعب كامل من أرضه بقوة السلاح وبدأت مأساة إنسانية مستمرة لعقود تمثلت فى التشريد والمذابح ومحاولات طمس الهوية واليوم وبعد مرور 78 عاما لم تعد النكبة مجرد حدث تاريخى محنط فى الذاكرة بل أنها واقع حى يتجدد حيث تواجه غزة والاراضى المحتلة فصولا جديدة من الإبادة الممنهجة والتهجير القسرى وسط صمت دولى وتخاذل إقليمى غير مسبوق ليعيش الشعب الفلسطينى أطول مظلمة مستمرة فى التاريخ الحديث .
تكشف الارقام والبيانات الإحصائية الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزى للإحصاء الفلسطينى عن تلازم الجريمة بين نكبة الماضى والعدوان المستمر وذلك وفقا للحقائق التالية : اقتلاع الجغرافيا ونشأة الشتات (1948) استولى الاحتلال الاسرائيلى على 78% من مساحة فلسطين التاريخية . ودمر 531 قرية ومدينة بالكامل لطمس المعالم العربية مرتكبا مجازر دموية أدت الى استشهاد 15000 فلسطينى وتهجير 957000 أخرين قسرا .
تشير الإحصائيات الرسمية الفلسطينية لعام 2026 إلى أن عدد الفلسطينيين حول العالم بلغ 15,5 مليون نسمة , يعيش منهم 7,4 ملايين داخل فلسطين التاريخية , فى حين يرزخ 8,1 ملايين فى الشتات والمنافى .
أسفر العدوان الاسرائيلى الشامل المتواصل منذ السابع من اكتوبر 2023 عن حصيلة دموية غير مسبوقة تجاوزت 73,761 شهيدا (بينهم أكثر من 20,413 طفلا و 12,524 إمرأة) وهى حصيلة تمثل مأساة بشرية مروعة تشكل وحدها أكثر من 50% من اجمالى الشهداء الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948
ولم يتوقف الامر عند القتل البشرى بل تعداه الى إبادة المكان حيث اضطر نحو مليونى فلسطينى للنزوح الداخلى المتكرر داخل قطاع غزة ودمرت ألة الحرب أكثر من 102,000 مبنى كليا وتضررت مايزيد عن 330,000 وحدة سكنية ( بمايعادل 70% من مبانى القطاع) مما حول أجزاء واسعة من غزة الى مناطق غير صالحة للحياة
وبالتوازى مع حرب الإبادة فى غزة صادر الاحتلال ألاف الدونمات الاستيطانية بالضفة وهدم نحو 1400 مبنى كما واصل سياسة إلغاء هويات الاقامة وسحب بطاقات الهوية لـ 14,869 عائلة مقدسية منذ عام 1967وحتى الان
تكشف قراءة المشهد الحالى فجوة عميقة وصادمة بين الشعارات المرفوعة والواقع المأساوى فالبيانات الإنشائية والخطب الرنانة ودعوات الاستجداء على اعتاب المجتمع الدولى لم تحم طفلا ولم تسترد شبرا من الارض المسلوبة
وفى المقابل يتحرك الطرف الاخر بإستراتيجات نهوض علمى وتكنولوجى وعسكرى واضحة مستغلا تحويل ما يزيد عن 53% من مساحة غزة الى مناطق عازلة بينما تغرق أجزاء واسعة من المحيط العربى فى التناحر الداخلى والديون والتبعية الاقتصادية وتغييب الوعى وصناعة الجهل والفساد , ويرى محللون سياسيون أن غياب الإرادة المشتركة وتفكك المنظومة العربية الرسمية هوا لذى يمنح الاحتلال الضوء الاخضر لمواصلة مشاريعة التوسعية والتهجيرية دون رادع , حتى اصبحت التهديدات بإحتلال عواصم أخرى تخرج الى العلن وسط صمت مريب .
عند العودة الى صفحات التاريخ نجد أن استرداد الحقوق لم يكن يوما وليد الصدفة أو نتاجا للأمانى فالقائد صلاح الدين الأيوبى لم يتوجه الى معركة حطين الخالدة إلا بعد أن أدرك الداء الحقيقى وتشخيصة بدقة لقد فهم ان التحرير يستحيل فى ظل التشرذم والعمالة .
لقد بدأ صلاح الدين الايوبى بمعالجة الداخل أولا وفق محاور حاسمة:
1 – تطهير الجبهة الداخلية : قضى على مراكز القوى الخائنة التى كانت تتأمر مع الصلبيين لحماية مصالحها مؤمنا بذلك ظهر الجيش المسلم
2 – العدل الادارى والاجتماعى : رفع الضرائب الجائرة ليصالح الشعوب مع قادتها ويدفعهم للقتال عن عقيدة وايمان
3 – سلاح الوعى والتعليم : أسس المدارس النظامية لنشر الوعى بمكانة القدس المغتصبة ومحاربة الجهل محولا المجتمع الى قوة دافعة واعية
4 – الحصار الشامل : صنع طوقا جغرافيا واقتصاديا وبشريا محكما حاصر به الصلبيين وقضى على الفتن
ان ذكرى النكبة اليوم ليست مجرد طقس سنوى للبقاء فى ثوب البكائيات بل هى ناقوس خطر يدق فوق رؤوس الجميع ليعلن أن مشروع التصفية لم يتوقف ولن يكتفى بحدود فلسطين التاريخية .
إن استمرار الرهان على مجتمع دولى منافق أو معاهدات سلام هشة لا تحمى الضعفاء هو انتحار استراتيجى تدفع الشعوب ثمنه من امنها وسيادتها ومستقل اجيالها .
السبيل الوحيد للخروج هذا التيه يكمن فى استلهام فقه التحرير وفلسفته الحقيقية . فالقضية الفلسطينية لن تحلها طاولات المفاوضات العبثية بل يحلها وعى الشعوب وبناء القوة الذاتية العلمية والاقتصادية والعسكرية وتطهير الداخل العربى من التبعية والفساد وصناعة التجهيل
ان بناء جيل واعى بمقدراته وحقوقه متسلح بالعلم والكرامة هو الخطوة الاولى والاساسية لكسر هذا الطوق وتحويل جرح النكبة النازف الى منطلق التحرير الحتمى

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة النكبة 78 مأساة شعب تتجدد فى غزة الجارديان المصريه