السبت 16 مايو 2026 08:37 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى يكتب : الوطن العربي: شُعاع النور الذي يأبى التبعية

الكاتب الكبير محمد الشافعى
الكاتب الكبير محمد الشافعى

لم يكن الوطن العربي يوماً مجرد بقعة جغرافية على خارطة العالم، بل كان -ولا يزال- مهداً للحضارة، وشعاع النور الأول الذي أضاء ظلمات البشرية. على هذه الأرض المباركة، ومن ترابها الغالي، تجسدت مشيئة الخالق الأعظم، سبحانه وتعالى، فاستقبلت قيعانها ووديانها كلامه العزيز، وتنزلت رسالاته السماوية هدى للناس. من هنا، ومن هذا المشرق العربي، بُعث الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، طهارةً ونوراً ممتداً من سيدنا آدم وحتى مسك الختام سيدنا محمد.
هذا الإرث الإلهي والحضاري الباذخ يضعنا أمام مرآة الحقيقة، ويوجه إلينا سؤالاً وجودياً حارقاً: كيف لأمةٍ تملك هذا المجد الطاعن في التاريخ، وهذه الريادة الروحية والعقلية، أن ترضى لنفسها بمقاعد التابعين؟
** فخ "الإشادة المسمومة".. والخراب الممنهج
إن من كبرى الآفات التي نبتلى بها في واقعنا المعاصر هي تلك التبعية النفسية والعقلية للغرب وأمريكا. لقد بات لزاماً علينا أن ننزع غشاوة حسن النية عن أعيننا، وألا نقع في فخ "عبارات الإشادة" و"المدح الغربي" المعسول. فالتاريخ القريب والبعيد يعلمنا درساً صارماً ، ما من عبارة إشادة غربية وُجهت لدولة عربية في مجال ما، إلا وكان وراءها خراب قادم، ومخطط مرسوم بدقة يتناسب طردياً مع حجم ذلك المدح وبهرجته.
إن الغرب لا يمنح صكوك الغفران الثقافية أو السياسية مجاناً، فالإشادة بأي تفوق مجتزأ غالباً ما تكون غطاء لتمرير أجندات تهدف إلى تفكيك البنى الداخلية للوطن العربي. ومن هنا، فإن الوعي الحقيقي يتطلب منا تفعيلا دائما لـ"حاسة الشك المنهجي" تجاه كل ما يصدر عن عواصم الاستعمار القديم والجديد.
استعمار النفوس والعقول
لقد تغيرت أدوات الهيمنة .. فلم يعد الاستعمار يرتدي خوذة العسكري ويقود الدبابة ليشحن الأرض بالجنود، بل بات استعمارا خفيا وخبيثا .. إنه استعمار النفوس والعقول، هذا النوع الجديد من الاستعمار يسعى جادا إلى صهر هويتنا، وتذويب عاداتنا، وتقاليدنا، وعروبتنا الأصيلة، ليجعل منا نسخا مشوهة تستورد الأفكار، والعادات، بل وحتى العقائد والمفاهيم الاجتماعية الغريبة عن بيئتنا.
الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بتحرير الأرض فقط، بل بتحرير "العقل العربي" من عقدة النقص الإستراتيجي أمام الغرب،لابد أن ننفرد بشخصيتنا وعروبتنا، وألا نكون التابع الدائم الذي ينتظر الإذن ليتحرك، أو الصك ليتميز.
المعادلة الحضارية ( الانتقاء والوعي )
إن رفض التبعية لا يعني مطلقا الانكفاء على الذات، أو رفع شعارات العداء الأعمى للحضارة الغربية، فالانعزال انتحار معرفي، المعادلة الصحيحة والمطلوبة هي الانتقاء الواعي.
علينا أن نأخذ من الحضارة الغربية علومها، وتكنولوجيتها، وأدواتها الإدارية والإنتاجية المتطورة ، نأخذ منها ما يتمشى مع نسيج حضارتنا، وتراثنا، وشخصيتنا العربية والمصرية الأصيلة.
ولكن، لا نقف عند حدود الأخذ والاقتباس، بل نضيف على ما أخذناه من فكرنا، وإبداعنا، وروحنا الشرقية، لنصنع صيغتنا الحضارية الخاصة ، بهذا النهج وحده، ننهض بمجتمعاتنا في جميع المجالات، ونبني أساسا متينا للأجيال القادمة.
الإنسان أولاً.. وأخيراً
إن أي مشروع نهضوي عربي لا يضع "الإنسان ثم الإنسان" في مقدمة أولوياته هو مشروع محكوم عليه بالفشل. إن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في البشر، في وعيهم، وتعليمهم، وصحتهم، وكرامتهم.
حين نعيد بناء الإنسان العربي على قيم الاعتزاز بهويته، والوعي بمخططات أعدائه، والتسلح بعلوم عصره، سنقف مجددا - كما كنا دائما - كأمة قائدة لا تقبل التبعية، أمة تشع نورا وحضارة على العالم بأكمله.

محمد الشافعى مقالات محمد الشافعى الوطن العربي: شُعاع النور الذي يأبى التبعية الجارديان المصريه