السبت 16 مايو 2026 10:50 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : رسائل من الصاعقة المصرية

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

في الرابع عشر من مايو هذا العام حمل مشهدًا شديد الثراء في دلالاته العسكرية والنفسية داخل مدينة العبور ، مع ظهور قوات الصاعقة المصرية في تدريبات صباحية واسعة بدت وكأنها رسالة استراتيجية مكتملة العناصر، موجهة إلى كيان قام في أصله على يد عصابات مسلحة إرهابية مارست التطهير العرقي، وما زال يحمل عقليتها ذاتها حتى اليوم.
اختيار قوات الصاعقة تحديدًا منح المشهد ثقله الحقيقي؛ فهذه القوات تمثل داخل العقيدة القتالية المصرية نموذج الجندي القادر على الحسم السريع، والعمل تحت أقسى الظروف، وتنفيذ المهام الخاصة عالية الخطورة بكفاءة وانضباط استثنائي. وتاريخ الصاعقة المصرية ظل دائمًا مرتبطًا بعمليات نوعية صنعت فارقًا كبيرًا في معارك الاستنزاف والعبور، حين سحقت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وأذاقت تلك العصابات المسلحة هزائم مذلة أثبتت أن ما يواجهونه ليس مجرد جيش نظامي، بل إرادة أمة لا تقبل المساس بكرامتها.
وجاءت "مدينة العبور" لتضيف إلى المشهد بعدًا رمزيًا بالغ العمق؛ فالعبور في الوجدان المصري عنوان لواحدة من أعظم اللحظات العسكرية في التاريخ الحديث ، لحظة استعادت فيها الدولة المصرية ثقتها الكاملة بقدرتها على تغيير المعادلات وكسر المستحيل، ولحظة كُسرت فيها إلى الأبد هيبة ذلك الكيان الذي حاول الترويج لنفسه زورًا كدولة لا تُمس، فانكشف على حقيقته كونه مجرد مشروع استعماري هش، تحميه ترسانة غربية وروايات دعائية، لكنه ينهار نفسيًا وعسكريًا أمام أول ضربة مصرية حقيقية. أما التوقيت ، ففتح باب القراءة الاستراتيجية على اتساعه. فالرابع عشر من مايو يرتبط في وعي هذا الكيان بتاريخ إعلان قيامه على أنقاض الشعب الفلسطيني، كما يرتبط بقرار الإدارة الأمريكية عام 2018 نقل سفارتها إلى القدس في انحياز سافر يعكس طبيعة الحليف الذي يستند إليه. هذا اليوم، الذي يحتفي به المحتل كـ"عيد استقلال"، هو في الحقيقة ذكرى نكبة وجريمة متواصلة، واختياره تحديدًا لعرض القوة المصرية يحمل رسالة واضحة: ما بُني على الاحتلال والاغتصاب، سينكسر على صخرة الإرادة المصرية كما انكسر من قبل. وفي ظل تصاعد الحديث داخل دوائر ذلك الكيان عن تنامي القوة العسكرية المصرية، وتطور قدرات الجيش المصري، وتعاظم حضوره الاستراتيجي في سيناء، جاءت التدريبات وكأنها إعادة تذكير هادئة وحاسمة بثوابت القوة المصرية وجاهزيتها الدائمة. إنه تذكير موجع لهم بأن مصر التي هزمتهم عسكريًا في ١٩٧٣، والتي فرضت عليهم معادلات ردع جديدة، هي اليوم أقوى عدةً وعتادًا وعقيدةً، وأن سيناء التي حاولوا احتلالها صارت اليوم قاعدة انطلاق للقوة المصرية الصلبة، تطارد فلول الإرهاب وترسل في الوقت نفسه رسالة أمان استراتيجي لكل العرب. ثم يكتمل المشهد عند ميدان الشهيد الطيار أحمد المنيري؛ ذلك الضابط المصري الذي تعرضت طائرته لعطل خطير عام 2016، فاختار أن يظل داخلها حتى اللحظات الأخيرة موجّهًا إياها بعيدًا عن المناطق السكنية والزراعات ، حفاظًا على أرواح المدنيين، ليمنح الوطن درسًا خالدًا في معنى التضحية والانتماء. وهنا تظهر المفارقة الساطعة بين جيش ينجب رجالًا يضحون بأرواحهم لحماية المدنيين، وعصابات مسلحة تقوم عقيدتها على قتل المدنيين وهدم البيوت واستباحة الدماء، لا تعرف من الأخلاق العسكرية إلا القنص والغدر والتدمير الممنهج. هذه المفارقة الأخلاقية وحدها كفيلة بكشف الفارق بين مشروع وطني شريف يدافع عن أرضه، ومشروع استعماري إحلالي لا أخلاق له ولا شرف.
هكذا ظهرت الصورة بكامل أبعادها:
قوات نخبة تمثل عقيدة القتال،
مدينة تحمل ذاكرة العبور والنصر،
ميدان يحمل اسم شهيد اختار الوطن على حياته، وتوقيت يحمل حساسية سياسية وعسكرية بالغة في ذاكرة كيان مهزوم يعيش على أساطير هشة. مشهد واحد... ورسائل وصلت بدقة إلى كل من يجيد قراءة لغة القوة، وإلى كل من ما زال يتوهم أن نصر ١٩٧٣ مجرد ذكرى عابرة. إنها رسالة بأن مصر التي صنعت النصر بالأمس، قادرة على صنعه اليوم وغدًا، وأن ما يسمى "إسرائيل" ليس سوى كيان عصابات مهزوم، يعرف جيدًا أن اليد المصرية إذا امتدت، لا يرُدها شيء.

سماح عزام رسائل من الصاعقة المصرية الجارديان المصريه