السبت 23 مايو 2026 06:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب : من غزة الى بيروت تفكيك عقيدة الهندسة الجغرافية الصهيونية

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

إن القراءة المتأنية لطبيعة السلوك العسكرى والسياسى للكيان الصهيونى تكشف عن ضيق بنيوى واحد وعقيدة أمنية ثابته تتجاوز مفهوم الدفاع عن الحدود الى مفهوم إعادة هندسة الإقليم جغرافيا وديموغرافيا .
فى فلسطين تتجلى هذه العقيدة فى أبشع صورها فالقصف الممنهج للأحياء السكنية وحصار غزة الخانق لايستهدفان البنية العسكرية لفصائل المقاومة فحسب بل يستهدفان بالدرجة الاولى مقومات الحياة البشرية إنها سياسة "الانهاك الوجودى" التى تتكامل مع عمليات الاستيلاء على اراضى فى الضفة الغربية والقدس عبر الاستيطان والاعتقالات الادارية وهدم البيوت والهدف هنا ليس مجرد السيطرة الامنية بل تحويل فكرة الدولة الفلسطينية ذات السيادة الى مستحيل جغرافى وعزل التجمعات السكانية فى معازل مخنوقة تفقد مع الوقت قدرتها على الصمود الاستراتيجى
وعند الانتقال بالعدسة التحليلية الى الجبهة اللبنانية نجد ان الذاكرة الممتدة من حروب 1982 و 2006 وصولا الى الغارات المستمرة على الجنوب والبقاع تحكمها الديناميكية ذاتها هنا يعاد تطبيق ما يعرف فى الأدبيات العسكرية بـ " عقيدة الضاحية" وهى الاستهداف المتعمد وغير المتناسب للبنى التحتية المدنية والقرى لرفع كلفة احتضان المقاومة
الرابط المشترك بين تدمير حى سكنى فى غزة وتدمير قرية حدودية فى جنوب لبنان ليس دافعا انتقاميا عشوائيا بل هو تطبيق عملى لسياسة الاستيطان وفرض معادلات ردع قسرية تنطلق من قاعدة واحدة إما القبول بالهيمنة أو تحمل كلفة الدمار الشامل
ان الهدف السياسى الاوسع لهذه الحلقة المتصلة من القوة المفرطة يمكن تلخيصه فى نقطتين اساسيتين :
اولا : منع السيادة الفلسطينية الاصرار على إبقاء الفلسطينيين فى وضع المدار أمنيا دون أى افق لكيان مستقل يمتلك حدودا أو اجواء أو قرارا وتحول القضية من التحرر الوطنى الى مجرد أزمة انسانية تدار بالقطارة
ثانيا : الاستباحة الاستراتجية للبنان العمل الدؤب على ابقاء الدولة اللبنانية فى حالة ضعف وهشاشة سياسية واقتصادية تمنعها من بناء عناصر قوة حقيقية او جيش يمتلك روادع جوية وبرية مما يضمن بقاء العمق اللبنانى مكشوفا ومستباحا أمنيا وعسكريا فى أى لحظة
أن مايشهده الاقليم اليوم ليس جولات قتال تقليدية بل هو صراع محموم على ترسيم حدود النفوذ واالديموغرافيا. وتظل الحقيقة الشاخصة أمام كل مهتم بالشأن الاقليمى هى ان القوة الخشنة وسياسات التهجير والاسيتلاء على الاراضى ليست ادوات عابرة بل هى جوهر المشروع الاستراتيجى الذى يرى فى استقرار جيرانه وسيادتهم تهديدا وجوديا لبقائه أن تفكيك هذه الاستراتيجية وفهم ترابط حلقاتها هو الخطوة الاولى والاساسية لبناء اى رؤية مواجهة حقيقية فى المستقبل .

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة من غزة الى بيروت تفكيك عقيدة الهندسة الجغرافية الصهيونية الجارديان المصريه