الأربعاء 3 يونيو 2026 04:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (9)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

إن المتأمل في قوله تعالى "يا أيها الناس اتقوا ربكم" محور هذه التأملات المتواضعة يجعلنى أرجع إلى حقبة تاريخية مظلمة عاشها العرب قبل الإسلام ، وحق للعلماء أن يسموها بالعصر الجاهلى ، لما فيه من جميع مظاهر التخلف، والجهالة ، والانحطاط في شتى الميادين ، وكأنه وباء معدى يستشرى فيما
بينهم ، والأنكى من ذلك أنهم متشبثون بها كما يتشبث النمر المفترس خوفا على
أشباله الصغار من أى خطر عليهم ، ولذا لن يقبلوا ، ولن يسمحوا لأحد أن يتدخل
لعلاج هذه الأمراض المستعصية ليخفف عنهم وطأة أعراضها، وآلامها ، ومن تلك الأمراض الخطيرة التي فتكت بالكثيرين منهم "مرض العصبيات ، والنعرات" القبلية ، التي نشأ من أجلها حروبا .. دام بعضها أربعين عاما ، وليست حرب"البسوس"منا ببعيد ، يقول العلماء "أن رجلا يدعى "كليبا"سأل زوجته "جليلة" يوما : هل تعرفين من هو أعزّ في العرب منى ؟ فأجابت "جسّاس وهمّام" أي أخويها .. شعر "كليب" بالغيظ الشديد ،فخرج حاملا قوسه ، فوجد ناقة ترعى في أرضه ، فقتلها ، وكانت هذه الناقة "للبسوس" ابنة عم جليلة ، مما أثار غضبها ،.فاستغاثت "بجساس" فتوجه ليعاتب "كليبا" لكنه لم يستجب ، فقتله ، فكانت هذه الحادثة بمثابة شرارة لاشعال حرب بين قبيلتيهما "بكر ، وربيعة" ولم يتوقف الأمر على ذلك فقط ، بل انحازت بعض القبائل مع كلا القبيلتين ، وكأنها حرب عالمية كبرى ! نعم هذه هي عقولهم ، وذلك هو حالهم ، وتلك هي بعض أمراضهم
المستعصية بأوجاعها المزمنة ! قد يقول قائل : أن تلك الأمراض الفتّاكة تحتاج إلى أخصّائيين كثر ، ويكون لهم خبرة كبيرة كى يستأصلوا تلك الأورام الخبيثة
من عقولهم ، وأفكارهم ،وأخلاقهم حتى تهدأ هذه الأوجاع ، وتلك الآلام ، ويصح جسد مجتمعهم ،وسيحتاج لعمل شاق ، وجهد دؤوب ، وسيستغرق سنوات ، وسنوات عديدة، ومع احترامى لهذا الرأي ، أقول : أن ذلك كله لن يجدى نفعا
، ولن ينجحوا ، ولو مكثوا قرنا بعد قرن ، وأنفقوا ملايين من الدولارات ، لأن
مؤهلاتهم قاصرة ، ولن تتحمّل تلك المهمة الشاقة ، ولن يجرؤ أحد أن يتدخل
في هذه القضية ، ولكن الله قد اختار رسوله ﷺ من بين ملايين من الناس من أجل هذه المهمة الشاقة ، لينقذهم من تلك العلل ، فأعدّه إعدادا خاصا ، وكان ذلك الإعداد بمثابة عدد من المؤهلات التي تؤهله ﷺ لإنجاز هذه المهمة ، وذلك المشروع الضخم ، ومن تلك هذه المؤهلات .. المؤهلات العلمية ، والثقافية ، والعقلية ، والفكرية ، والخلقية ، والتربوية ،والنفسية ، والاجتماعية، والتنموية ،والروحية ، ولذا حقق ﷺ نجاحا تكتيكيا ، واستراتيجيا باهرا لا نظير له على جميع الأصعدة ،والمجالات ، وذلك في بضع سنوات لا تذكر ، فتحضر الفرد
الجاهلى ، وتقدم مجتمعه ، وارتقت أمته ، وتحمّل ﷺ الكثير من شتى أنواع الإيذاء ، والتنكيل ،والتكذيب ، وبالرغم من ذلك لم ييأس ، ولم يتوان ،
ولم يتقاعس ، وظل يستأصل خلايا جهالاتهم الخبيثة ، ويضمد نزيف جراحاتها ، ويضع عليها المراهم المختلفة ، فأنزل ربه عليه آيات كريمات ، تطمئنه بأنه يعلم حزنه ﷺ من شدة تعنّت قومه ، وإيذائهم له ،ثم حثه بمزيد من التسلح
الإيمانى ، ويستمر في دعوته الكريمة حتى آخر لحظة من حياته ﷺ ليرقى
بمجتمعه ، ثم بالبشرية بأسرها ، يقول تعالى "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِين * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِين"
فتناول رسول الله ﷺ هذه الآيات ، وكأنه جرعة من المنشطات القوية ، أو كأنها كبسولة سريعة المفعول التي استفزت أحاسيسه ، واستثارت فكره ،
وعقله ، فقوى عزمه ، وشمّر عن ساعديه ، ليستكمل مهمته بكل نشاط ، وهمة ،غير مبال بما يفعله قومه له ، وظل ﷺ على ذلك الحال حتى آخر لحظة من عمره
ﷺ فاستطاع من خلال هذه المسيرة العظيمة أن يقضى على آفاتهم واحدة تلو الأخرى ، كما يقضي المتخصصون على الآفات الزراعية ، والأمراض الفطرية ، والأعشاب الضارة من حقولهم ، وذلك باستخدام مجموعة من الأساليب، الحديثة
المتطورة ، وأصبح لتلك القبائل دولة متحضرة لها شأن عظيم بين الدول ..
تخاطبهم ،وتراسلهم ، ندا بند ، ورأسا برأس ، وتدعوهم بكل لطف ، ولين ،
لهذه التجربة العظيمة الناجعة ، والناجحة ، كما أنه ﷺ لن يأخذ منهم أجرا ، ولن ينل منهم أي مصلحة .. فما أعظمها من تجربة ! وما أعظمه من خلق نبوىّ ! وحق له ﷺ أن يكون أسوة للعالم بأسره ، يقول تعالى " لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا"..

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالد الجارديان المصريه