حسين السمنودى يكتب : من يستحق العتاب؟!
ليس كل من أخطأ في حقنا يستحق أن نعاتبه، وليس كل من جرح مشاعرنا يستحق أن نمنحه فرصة لتفسير ما حدث أو تصحيح ما أفسده. فالعتاب في جوهره ليس مجرد كلمات تُقال عند الغضب، ولا هو وسيلة لتفريغ الشحنات السلبية أو استعراض حجم الألم الذي تسبب فيه الآخرون، بل هو شعور أعمق من ذلك بكثير. إنه اعتراف ضمني بأن هذا الشخص لا يزال يحتفظ بمكانة في القلب، وأن العلاقة معه لم تصل بعد إلى مرحلة اللامبالاة.
فالإنسان حين يغضب من شخص غريب قد ينسى الأمر سريعًا، وحين يتعرض للإساءة من شخص لا يعني له شيئًا قد يختار تجاهله ببساطة، أما حين يأتي الخطأ من شخص نحبه أو نحترمه أو نثق به، فإن الألم يكون مختلفًا، لأن الجرح هنا لا يصيب الموقف فقط، بل يصيب مساحة من المشاعر كانت مليئة بالثقة والود والتقدير. ولهذا كان العتاب دليلًا على قيمة الأشخاص في حياتنا، ودليلًا على أننا ما زلنا نراهم جزءًا من تفاصيل أيامنا.
كم من أبٍ عاتب ابنه لأنه يحبه، وكم من أمٍ سهرت الليالي وهي تلوم أبناءها خوفًا عليهم لا غضبًا منهم، وكم من صديق جلس طويلًا يفكر في كلمات العتاب قبل أن ينطق بها لأنه لا يريد أن يخسر صديق عمره بسبب سوء فهم عابر أو موقف لم يكن مقصودًا. فالعتاب في صورته النبيلة ليس معركة بين طرفين، بل محاولة لإنقاذ شيء جميل قبل أن يضيع.
إن الأشخاص الذين يستحقون العتاب هم أولئك الذين كانت لهم مواقف مشرّفة معنا، الذين وقفوا بجوارنا في لحظات الضعف قبل لحظات القوة، الذين شاركونا أفراحنا وأحزاننا، الذين تركوا بصمات حقيقية في حياتنا، ثم جاءت منهم هفوة أو زلة أو تقصير لم يكن من طبيعتهم ولا من أخلاقهم. هؤلاء يستحقون أن نستمع إليهم قبل أن نحكم عليهم، وأن نعاتبهم قبل أن نبتعد عنهم، وأن نمنحهم فرصة للشرح قبل أن نغلق الأبواب في وجوههم.
فالإنسان ليس آلة لا تخطئ، وليس كائنًا كاملًا لا ينسى أو يقصر أو يسيء التقدير أحيانًا. كلنا نحمل نقاط ضعفنا، وكلنا نمر بأيام تثقلنا فيها الهموم وتربكنا الضغوط وتدفعنا إلى تصرفات لا تشبه حقيقتنا. ولهذا فإن العلاقات الإنسانية العميقة لا تقوم على حساب الأخطاء بقدر ما تقوم على فهم البشر وتقدير ظروفهم والبحث عن أعذارهم ما أمكن.
وفي المقابل، هناك أشخاص لا يستحقون العتاب أصلًا، لأنهم لم يمنحوا العلاقة يومًا قيمة حقيقية. هناك من اعتادوا الإساءة والكذب والخداع، ومن يرون في الوفاء ضعفًا وفي الصدق سذاجة، ومن يكررون الأخطاء نفسها دون اكتراث بمشاعر الآخرين. هؤلاء لا يحتاجون إلى عتاب بقدر ما يحتاجون إلى حدود واضحة. فالعتاب مع من لا يقدّر قيمته يتحول إلى استنزاف للمشاعر وإهدار للكرامة وإضاعة للوقت.
ومن أكثر ما يؤلم الإنسان أن يكتشف بعد سنوات من الحرص والاهتمام أن الطرف الآخر لم يكن يرى العلاقة بالقدر نفسه من الأهمية. عندها يصبح الصمت أبلغ من ألف عتاب، ويصبح الانسحاب الهادئ أكثر حكمة من الدخول في نقاشات لا جدوى منها. فليس كل باب يُطرق، وليس كل علاقة يمكن إنقاذها مهما حاولنا.
ولأن الحياة مليئة بالتقلبات، فإن العتاب يصبح ضرورة أخلاقية قبل أن يكون حاجة عاطفية. فكم من علاقة انتهت بسبب سوء فهم بسيط كان يمكن أن يزول بكلمة صادقة، وكم من صداقة انهارت لأن أحد الطرفين فضّل الصمت على المصارحة، وكم من قطيعة استمرت سنوات طويلة لأن الكبرياء منع أصحابها من الجلوس دقائق قليلة لتوضيح ما حدث. إن كثيرًا من الخلافات لا تنشأ من سوء النوايا، بل من سوء التواصل، والعتاب الصادق هو الجسر الذي يعيد التواصل إلى مكانه الصحيح.
وفي حياتنا اليومية نرى نماذج كثيرة لذلك. نرى الأب الذي ينتظر اتصالًا من ابنه فلا يجده، فيمتلئ قلبه بالعتاب لأنه ما زال يحبه. ونرى الأم التي تتألم من جفاء أبنائها رغم أنها لا تتوقف عن الدعاء لهم. ونرى الأخ الذي يحزن من ابتعاد أخيه عنه رغم أنه يتمنى له الخير في كل لحظة. ونرى الصديق الذي يشعر بالخذلان من صديقه لأنه كان يتوقع منه موقفًا مختلفًا. في كل هذه الصور لا يكون العتاب دليل ضعف، بل دليل ارتباط إنساني عميق.
والعتاب الحقيقي لا يكون بالصوت المرتفع ولا بالكلمات الجارحة ولا بالتشهير أو الإهانة. العتاب الراقي يشبه يدًا حانية تربت على كتف من أخطأ وتقول له: لقد آلمتني، لكنني ما زلت أقدّرك، وما زلت أرى فيك إنسانًا يستحق أن أتحدث إليه بدل أن أخسره. لذلك فإن أجمل أنواع العتاب هو ذلك الذي يحفظ الكرامة للطرفين ويترك مساحة للمودة والاحترام مهما كانت طبيعة الخلاف.
ومن علامات النضج الإنساني أن يعرف الإنسان متى يعاتب ومتى يصمت. فليس من الحكمة أن يحمل المرء دفترًا يسجل فيه أخطاء الناس، وليس من الحكمة أيضًا أن يبتلع كل مشاعره حتى تتراكم في داخله وتتحول إلى غضب مكتوم أو قطيعة مفاجئة. التوازن هو أن نتحدث حين يكون للكلام فائدة، وأن نصمت حين نعلم أن الصمت أكثر حكمة.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي تعرف كيف تتجاوز أخطاءها. فالعلاقات البشرية بطبيعتها معرضة للضعف والتقصير وسوء الفهم، لكن ما يمنحها القدرة على الاستمرار هو وجود قلوب صادقة تؤمن بالحوار والتسامح والتغافل الجميل. وما أكثر العلاقات التي نجت من الانهيار بسبب كلمة عتاب صادقة قيلت في الوقت المناسب، وما أكثر العلاقات التي انتهت لأن أصحابها انتظروا طويلًا حتى تحولت المشاعر إلى جدران يصعب هدمها.
وفي نهاية المطاف يبقى العتاب أحد أجمل المعاني الإنسانية حين يوضع في موضعه الصحيح، فهو ليس مجرد كلمات تُقال عند الغضب، ولا وسيلة لإثبات الخطأ أو الانتصار للنفس، بل هو رسالة صادقة تحمل بين حروفها تقديرًا لمن نعاتبهم ومكانةً خاصة يحتفظون بها في قلوبنا. فالإنسان لا يعاتب من لا يعنيه أمره، ولا يحزن على من لا قيمة له في حياته، وإنما يوجه عتابه إلى أولئك الذين أحبهم بصدق، ومنحهم ثقته، وتمنى أن تبقى العلاقة معهم نقية وقوية مهما مرت بها من عواصف ومواقف صعبة.
إن العتاب الراقي يكشف معادن الناس أكثر مما تكشفه سنوات طويلة من المجاملات والكلمات المنمقة. فحين يسمع الإنسان عتابًا صادقًا ممن يحبه، ثم يبادر إلى الفهم والاعتذار والتصحيح، فإنه يثبت أن العلاقة عنده ليست مجرد مصلحة عابرة أو ذكرى مؤقتة، بل قيمة تستحق المحافظة عليها. أما من يستهين بالمشاعر ويقابل الصدق بالتجاهل أو المكابرة، فإنه يكشف بنفسه مقدار مكانة الآخرين في حياته دون أن يشعر.
ولأن الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصومات الطويلة والقطيعة المستمرة، فإن الحكمة الحقيقية تكمن في معرفة من يستحق أن نبذل من أجله جهد الإصلاح، ومن يستحق أن نمنحه فرصة أخرى، ومن يستحق أن نصبر عليه ونلتمس له الأعذار. كما تكمن الحكمة أيضًا في معرفة الوقت الذي يصبح فيه الصمت أكثر قيمة من الكلام، والابتعاد أكثر راحة من الاستمرار في طرق أبواب لا تُفتح وقلوب لا تكترث.
فالعلاقات العظيمة لا تُبنى على الكمال، لأن الكمال ليس من صفات البشر، وإنما تُبنى على التسامح والتفاهم والقدرة على تجاوز العثرات. وما أجمل أن يجد الإنسان في حياته أشخاصًا إذا أخطأوا اعتذروا، وإذا عوتبوا تفهموا، وإذا اختلفوا حافظوا على الود والاحترام. فهؤلاء هم الثروة الحقيقية التي لا تُشترى بالمال ولا تُعوّض بسهولة إذا فُقدت.
ولعل أجمل ما نتعلمه من رحلة العمر أن القلوب الكبيرة لا تبحث عن الأسباب التي تدفعها إلى الرحيل، بل تبحث عن الأسباب التي تساعدها على البقاء. وأن النفوس النبيلة لا تفرح بانتصارها في الخلافات، بل تفرح ببقاء المحبة واستمرار المودة وعودة الصفاء بين القلوب. فليس النجاح الحقيقي أن نكسب كل جدال، وإنما أن نحافظ على من نحب دون أن نخسر أنفسنا أو كرامتنا.
لذلك احرص على من يستحق عتابك، وتمسك بمن يقدّر مشاعرك، ولا تجعل لحظة غضب عابرة تهدم سنوات من الود والإخلاص. وفي الوقت نفسه، لا تستهلك قلبك وعقلك في ملاحقة من لا يرون في وجودك قيمة أو في غيابك خسارة. اجعل عتابك نبيلًا، وكلماتك راقية، ومواقفك متزنة، واحتفظ دائمًا بمساحة من الرحمة والتسامح، لأن الناس جميعًا يخطئون، ولأن أجمل العلاقات هي تلك التي نجحت في تجاوز أخطائها ولم تتوقف عندها.
ويبقى العتاب في النهاية لغة خاصة لا يفهمها إلا أصحاب القلوب الصادقة، وعلامة واضحة على أن المحبة ما زالت حاضرة، وأن الأمل في الإصلاح لم يمت بعد. وما دام الإنسان قادرًا على أن يعاتب بحب، ويستمع بتفهم، ويغفر بكرم، فستظل العلاقات الإنسانية قادرة على البقاء رغم العثرات، وستبقى القلوب النبيلة أكثر قوة من الخلافات، لأن المحبة الحقيقية لا تهزمها الأخطاء العابرة، بل تزيدها الأيام عمقًا ونضجًا ورسوخًا.












تأجيل جلسات الطعن على تعديلات قانون الإيجار القديم لـ 9 أغسطس
حبس المتهم بالتعدي على زوجته بسلاح أبيض في كفر الزيات
مصرع 6 أشخاص وإصابة آخر من أسرة واحدة في حادث مأساوي بالمريوطية
ضبط أب ونجله لاتهامهما بالتعدي على أسرة وإتلاف مواسير المياه بكفر الشيخ
سعر الذهب اليوم الإثنين فى مصر
أسعار الذهب اليوم في مصر.. سعر الذهب عيار 21 يصل 6270 جنيها...
أسعار الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل 6105 جنيهات
سعر الدولار اليوم الجمعة 5 يونيو 2026..