الأربعاء 17 يونيو 2026 02:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (11)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

يقدر عدد متعاطى المخدرات في العالم حوالى ثلاثمائة وستة عشر مليونا ، وذلك حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية ، وتشكل المخدرات تحدّيا كبيرا للأسر ،
والدول لأنها تؤثر سلبا على العلاقات الاجتماعية ، وأماكن الدراسة ، والعمل ،
والاقتصاد فضلا عن الصحة العقلية ، والنفسية ، والجسدية للمدمن ، وما أشبه اليوم بالبارحة ، حيث كان العرب قبل الإسلام يدمنون الخمور ، ولم يشعروا بأى غضاضة في ذلك ، وإن الواحد منهم يشرب الخمر ، وكأنه يشرب كوبا من الماء! ولكن الرسول ﷺ لم يقف متفرجا أمام هذا المرض الخطير الذى يفتك بالمجتمع
الذى يعيش فيه ، وقرر أن يقضى على هذه الآفة ، فلم يقم ﷺ بالتوقيع على قرار يلزم الجميع بعدم شرب الخمر ، وعقاب يقصف بها رؤوسهم ، بل قضى ﷺ على هذه الظاهرة وفق استراتيجية ناجعة تحترم عقولهم ، وتقنعهم بخطورتها ، وذلك من خلال "منهج ربه المتحضر ، وخلقه ﷺ الراقى" وهذه الاستراتيجية تتكون من ثلاث مراحل ، تتخللها شهور ، وسنوات .. ففي المرحلة الأولى تلى ﷺ عليهم قول
ربه ، وخالقه ، حيث يقول "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ،
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نفْعِهِمَا" ففي هذه الآية الكريمة قد بيّن الخالق بأن للخمر ، والميسر لهما أضرارا كبيرة على الناس ، ولهما أيضا منافع ، ولكنها قليلة ، كى يوازن العربىّ بين المنافع القليلة مقابل أضرارا كثيرة ، وأثناء تلك المرحلة كان الصحابة رضوان الله عليهم يرون رسولهم ﷺ لا يشرب خمرا ، ولا يلعب ميسرا ، وكأنه ﷺ يقول لهم بلسان حاله : أنهما محرمان ، ولا يجب عليكم أن تقتربوا منهما ، وفى المرحلة الثانية يتلو الرسول ﷺ عليهم قول خالقه "يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى حتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُون" ففي هذه
المرحلة قد حرم الله الخمر تحريما ، جزئيا ، وهو وقت الصلاوات فقط ، وأثناء تلك المرحلة ككان ﷺ يستأصل جذور هذه الظاهرة ، ويهدم أركانها ، ومسبباتها ، فحث على حسن اختيار الصديق ، لأن للصديق أثر بالغ على صديقه إيجابيا ، أو
سلبيا ، وكما يقال في الأمثال الشعبية "الصاحب ساحب" لأنه يسحب صاحبه لما هو فيه .. خيرا ، فخير ، أو شرا ، فشر ، ولذا قال ﷺ"إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ ،
وجَلِيسِ السُّوءِ ، كَحامِلِ المِسْكِ ، ونافِخِ الكِيرِ فحامِلُ المِسْكِ ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحا طيِّبَةً ، ونافِخُ الكِيرِ ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَة" وحث ﷺ على استغلال الصحة ، واستثمار
الوقت في كل ما هو نافع ، ومفيد ، فقال ﷺ "نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من
النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ" وفى المرحلة الثالثة نزل قول الله بتحريم الخمر تحريما قطعيا ، وقد أغلق الباب تماما ، معلنا من فوق سبع سماوات ذلك ، وجعلها ضمن محرمات أخرى كانوا يمتازون بها ، فيقول "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ..
إلى أن قال "فهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون" فقالت الصحابة "انتهينا يا ربى" وأخذ كل واحد
منهم يلقى ما عنده من خمور فى الشارع حتى امتلأت شوارع المدينة بالخمور .
وكان ذلك في العام الثالث الهجرى .. نعم إنها لمسات يد الرسول الحانية على كل فرد من أفراد أمته ، وحرصه عليهم من ذلك الوبال الوخيم ، وصدق الله حين قال "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ منْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ علَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيم" ، كما أذهلى قوله ﷺ حين ذكر جميع أنواع المسكرات الموجودة
آذاك ، والتى سيتم إستحداثها فيما بعد تلميحا لا تصريحا ، مبينا أضرارها
، ومدى خطورتها كى يقوم الناس في كل عصر بتجنبها ، وكأنه قد أعطى روشته
شافية ، وكافية للوقاية منها ، والابتعاد عنها بالكلية ، فقال ﷺ بأسلوب رائع ،وإيجاز غير مخل للمعنى ، وفصاحة بالغة الجمال مستخدما التضاد الذى يقرب
المعنى لذهن المتلقى ، فقال ﷺ "قليلُ ما أَسكَرَ كثيرُه حرام ، وكثيرُ ما أَسكَرَ قليلُه
حرام" فما أروعها من بلاغة ! وما أعظمه من رسول ! وما أشد حرصه ﷺ لتقدم
أمته ، وازدهارها على النحو الذى تستحقه !

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (11) الجارديان المصريه