الخميس 30 يوليو 2026 06:51 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير فرحات جنيدي يكتب: مختار نوح... قارع الطبول الذي أيقظ النائمين

الكاتب الكبير فرحات جنيدي
الكاتب الكبير فرحات جنيدي

هناك رجال يرحلون فتغلق الحياة خلفهم بابًا، وهناك رجال يرحلون فتفتح لهم الأيام أبوابًا جديدة. كان مختار نوح من هؤلاء. لم يترك وراءه ضجيجًا سياسيًا فحسب، بل ترك صوتًا لا يزال يتردد، كصوت الطبول التي لا تُقرع إلا عندما يقترب الخطر، لتنبه الغافلين وتوقظ النائمين.

ذهبت إلى أمسية مناقشة كتاب " المختار" للدكتور محمد الباز، وأنا أظن أنني ذاهب للاستماع إلى سيرة رجل. لكنني اكتشفت أنني كنت ذاهبًا للبحث عن إنسان. استمعت إلى الدكتور محمد الباز، وإلى المفكر الكبير الدكتور ثروت الخرباوي، وإلى المفكر الكبير الدكتور رفعت سيد أحمد. كان كل منهم يتحدث عن مختار نوح الذي عرفه، أما أنا فكنت أبحث عن مختار نوح الذي لم يعرفه كثيرون.

كلما ذُكر اسمه، حضرت الجماعات والمعارك والملفات الشائكة، لكن قليلين انتبهوا إلى أن الرجل الذي هز أركان تنظيم كامل، وكشف كثيرًا من أسراره، كان يعود إلى بيته ليجلس مع عوده. كان يفرغ غضبه في الموسيقى، ويترك لأصابعه أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله. وكأن العود كان هدنة قصيرة بينه وبين عالم لم يعرف الهدوء.

أحب فريد الأطرش عشقًا حقيقيًا، ولم يكن ذلك مجرد إعجاب بمطرب كبير، بل انحيازًا إلى الفن بوصفه لغة للروح. حتى إن هذا العشق تسلل إلى بيته، فاختار لابنته اسم "صبا" ؛ الاسم الذي يحمل رنين أحد أشهر المقامات الموسيقية العربية، وكأن الموسيقى لم تكن تسكن أذنيه فقط، بل كانت تسكن وجدانه كله.

وفي بيته كان مختار نوح أبًا قبل أن يكون محاميًا أو مناظرًا. كان يحرص على أن يحفظ أبناؤه القرآن، ويغرس فيهم القيم ويعلمهم البيانو كما حكت ابنته، ويؤمن أن الأخلاق لا تُورث بالكلام، وإنما بالفعل. كان يرى أن أعظم انتصار يحققه الإنسان هو انتصاره على نفسه.

وحين غادر جماعة الإخوان، لم يكن يبحث عن بطولة، ولم يخرج مدفوعًا برغبة في الانتقام، بل خرج لأنه لم يعد قادرًا على أن يخالف ما يمليه عليه ضميره. كان يتحدث بلسان رجل عاش داخل التجربة، لا بلسان خصم يراقبها من بعيد. ولهذا كانت كلماته مؤلمة، وكانت طبوله أعلى من أن يتجاهلها أحد.

ولم يكن غريبًا أن يرى المقربون منه أن شخصية علي الزناتي في فيلم طيور الظلام حملت الكثير من ملامحه؛ فوحيد حامد كان يعرف أن الشخصيات الاستثنائية لا تُخلق من الخيال وحده، وإنما تولد من بشر عاشوا التجربة، ودفعوا ثمنها.

أكثر ما يلفتني في مختار نوح أنه لم يكن متمردًا على جماعة بعينها، بل كان متمردًا على فكرة القطيع. كان يؤمن أن أخطر ما يصيب الإنسان أن يتوقف عن التفكير، وأن يستبدل ضميره بصوت الجماعة. لذلك ظل مختلفًا، حتى وهو يدفع ثمن اختلافه.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الكتاب، ولا في الكلمات التي قيلت عن الرجل، بل في الرسالة التي خرجت بها الأمسية. فقد طرح المفكر الكبير الدكتور رفعت سيد أحمد فكرة إنشاء صالون شهري يحمل اسم مختار نوح، إلى جانب جائزة سنوية باسمه تحت رعاية جريدة الدستور، وهي الفكرة التي رحب بها الدكتور محمد الباز وأعلن تبنيها. ولم تمض لحظات حتى أعلن الدكتور ثروت الخرباوي تبرعه بمبلغ 100 ألف جنيه لتكون وديعة يُنفق من عائدها على الجائزة، في أول مبادرة تؤكد أن الوفاء الحقيقي لا يكون بالكلمات، وإنما بالفعل.

عندها فقط أدركت أن طبول مختار نوح لم تسكت برحيله.

ما زالت تُقرع.

لكن هذه المرة لا لتكشف أسرار جماعة، بل لتوقظ الضمير الثقافي، وتمنح الأجيال القادمة نموذجًا لرجل آمن بأن الحرية مسؤولية، وأن الحقيقة تستحق أن يُدفع ثمنها.

هكذا يرحل الرجال الكبار.

تغيب أجسادهم...

لكن أصوات طبولهم تظل توقظ النائمين.