الإثنين 20 مايو 2024 06:32 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور عادل القليعي يكتب. : ظاهرة التأثير والتأثر في الفكر الانساني . 1-3

دكتور عادل القليعي
دكتور عادل القليعي

بداية لابد أن أطرح طرحا موضوعيا وليتفق معي من يتفق ويختلف معي من بختلف فالعلم رحم بين أهله ،هذا الطرح هو متي وجد الإنسان في أي مكان وفي أي زمان يوجد الفكر إذ بدونه لايكون فكرا أساسا،فالحيوانات والجمادات لاتفكر،كذلك لابد أن نقول قولا واحدا الفكر الإنساني سلسلة متصلة الحلقات إذا انفكت حلقة منه ستحدث هوة وفجوة فكرية أو ستسقط حقبة زمنية.
الإنسان بما هو كذلك يفكر ويعمل عقله بل هو في تفكير مستمر سيال متدفق عبر الزمان وفي كل مكان يوجد فيه،يفكر في مستقبله،مصيره،مآله،وجوده،موجده،يفكر في ماهية الخير،حقيقة الشرور،طبيعة الحب،ولما الكره،حريته واختياراته إذا ثم مادة خصبة متغيرة تتغير بحيوات الإنسان.
منذ أن خلق الله الإنسان على الأرض وأوجد الله الأخوين هابيل وقابيل ظهرت فى الآفاق فكرة الخير والشر وهما في صراع إلى أن تقوم الساعة.
ظاهرة التأثير والتأثر ما المقصود بها.؟!
1-التأثير أن أؤثر فكريا في من سيأتي بعدي وقد يكون التأثير سلبيا،وقد يكون إيجابيا،مرجعيتنا في ذلك المؤثر والمتأثر.
2-التأثر أن يتأثر الانسان بالمعطيات التي قد يقرأها أو يسمعها أو يرآها وتأثره قد يكون سلبا او إيجابا حسب قدرته علي استيعاب المقررات التي يتعامل معها.
هذه الظاهرة مهمة جدا لديمومة واستمرارية الفكر الإنساني شريطة الأ يكون دور المؤثر والمتأثر كدور الملقن والملقن الذي يملي إملاءات والمتلقن يأخذها على عواهنها لايفكر فيها ولا يعمل عقله فيصبح ناقلا مقلدا تابعا خاضعا ذليلا،فهذا إن صح تعبيري ليس تأثيرا ولا تأثرا وإنما تبعية بغضية وفرض هيمنة أحادية الجانب،وهذا ما حاول ان يفعله بعض المستشرقين مع الفكر العربي ،أرادوا جعل المتلقي العربي تابعا أمينا لا يفكر وحتى إذا أراد ذلك فلابد أن يستمد فكره من الغرب وتلك هى العنصرية الفكرية الممقوتة التي إن دلت علي شيئ فإنما تدل على خواء فكري لصاحبها وهذا ليس تأثيرا ولا تأثرا لو أردنا تأثيراً وتأثرا حقيقيين، أنت خذ مني وأنا آخذ منك عن طريق تبادل الرؤى والأفكار والحوارات الفكرية البناءة لا أن يكون حوارا من طرف واحد.
تعالوا بنا نستعرض هذه الفكرة بشيئ من التروي ا-حضارات الشرق القديم ،الحضارة المصرية القديمة،الحضارة البابلية،الحضارة الفينيقية،الحضارة الهندية،الحضارة الصينية،الحضارة الفارسية،ما هو الأثر الذي تركته هذه الحضارات في من جاء بعدها من حضارات أخرى وما الذي أثرته في ما بينها.
ناتي إلى الحضارة المصرية ألم يتحدث المصريون القدماء عن فكرة العدالة (الماعت) وقد تأثر بهذه الفكرة حكيم الصين كونفوشيوس ومن بعده تلاميذه وتحدثوا عن عدالة الوسط وأنه لانميل إلى جانب علي حساب الآخر ،ألم يتحدث القدماء المصريون عن النفوس الغاضبة والشاهية والحكيمة،وتأثر بها أيضا تلاميذ كونفوشيوس، ألم يتحدث أصحاب الحضارة الهندية عن مفهوم الفضيلة أفعل ولاتفعل وإذا خالفت ذلك كان فعلك مرذول،ألم يتحدث الزرادشتيون عن إلهين أحدهما للخير والآخر للظلام، ألم يتاثروا في ذلك بالصابئة عباد الكواكب والنجوم والكون يخضع لإلهين إذا اختلفا حدث ما لا يحمد عقباه وقامت القيامة، ألم تتأثر به الحضارة اليونانية الغربية التي يدعي غير المنصفين من بعض المستشزقين أنهم أساس الحضارة والتنوير وأن الفكر الفلسفي خلق عبقري يوناني أصيل -هذه هي العنصرية المقيتة ،المتمثلة في التفرقة بين الأجناس،الجنس الآري الأوربي الأبيض المتفتح البحاث الذي يبدع،والجنس السامي الشرقي المتخلف ومنهم الجنس العربي المتلقي الذي ليس له هم إلا المأكل والمشرب والملبس ويحتاج من يفكر له-
ب-مظاهر هذا التأثر،بدءا من المدارس اليونانية الأولي ولنأخذ علي سبيل المثال ديموقريطس فيلسوف الذرة من الذي أوحى إليه بفكرة الذرات التي هي الإله وذرات للخير وذرات للشر ،أوحى إليه الحضارة الفارسية،هذه واحدة.
الثانية ما الذي جعل ديمقريطس يقول الذي يقدم على فعل الخير يقضي نهاره مسرورا ومنشرح الصدر، الروح الشرقية والتصوف الشرقي -وسنري كيف أثر ديموقريطس في الصوفية.
نترك ديمقريطيس ونتجه إلى سقراط مفهوم العدالة التي تحقق السعادة وفضيلة العمل وفكرة القوانين المكتوبة والقوانين الإلهية أين منه ومن قوانين حمورابي،هذه واحدة، أما الثانية ألم يتحدث سقراط عن قيمة معرفة النفس ، ألم يتحدث عن أن الفضيلة علم والرذيلة جهل،نترك سقراط ونتجه إلى أفلاطون ألم يزر مصر ويمكث بها فترة من الزمان عندما تحدث عن كيفية ضبط قوى النفس ولابد للنفس الحكيمية أن تضبط إيقاع النفسين الشاهية والغاضبة ممن استقي هذه الافكار من ظاهرة التأثر والذي بدوره سيؤثر في من سيأتي بعده،و إذا ما تركنا أفلاطون واتجهنا إلى عقل يونان المدبر أرسطو وحديثه الشيق عن الوسط الذهبي وأن الفضيلة تقع بين طرفين كلاهما رذيل والإنسان علي حد قوله إذا أراد أن يبق تحت عرش الله لابد ألا يميل إلى طرف علي حساب طرف آخر،هذا قليل من كثير عن ظاهرة التأثير والتأثر. في الجزء الثاني سنري كيف أثر هؤلاء في من جاء بعدهم من فلاسفة ومفكرين ومتكلمين من فلاسفة ومفكري الإسلام،ثم في الحزء الثالث نرى كيف أثر هؤلاء في أنصار الفكر الحديث والمعاصر خصوصا في ديكارت وكانط واسبينوزا وغيرهم.
نعم ظاهرة التأثير والتأثر ظاهرة حيوية تكسب الفكر حركية وديناميكية شريطة ألا تكون تقليد أعمى يشوه الفكر والمفكر والمتفكر على حد سواء.
نتابع ،،،،،

أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.