الإثنين 17 يونيو 2024 11:17 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الومضه الثلاثون ( جزء ثان)

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : الثلث الاخير.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

ادرك في الثلث الاخير من عمره انه لايستطيع ان يضيف وقتا الي حياته ، ولكن بمقدره ان يضيف الحياه الي من تبقي من عمره ، تلكم الاضافه التي سرقتها منه سنوات المرور فلم يحفل كثيرا بتعاقب الشمس والقمر ولم يعي ان كليهماسوف ينفذون من رصيد عمره رويدا رويدا ، حتي بات علي مشارف الستين ، جاء ادراكه متأخرا، ادراكا مشوها نتيجه تزاحم عليه اصدقائه ليهنئوه بخروجه علي المعاش ولكن لابأس فبعد قليل سوف يختلي بنفسه ويخطط جيدا للثلث الاخير من عمره لانه لايريد فقده كما فقد الثلثين من قبل، كان عبد الباسط حموده يتلقي التهاني بابتسامه صفراء وعقل شارد ، لقد تعلمت الايام ان تسرقه وتؤرق مضاجعه،وحان وقت الانتقام منها ورد لها الصاع صاعين ، ولكن كي يكون صادقا مع نفسه لابد ان يتعلم علي الاقل المهادنه معها، فلا يستطيع احد ان يقتص من الزمن ، اذن فلابد من ان يجاريه ويفرض عليه طقوس حياته القادمه التي كما يحب ان يحياها ، كفي اربعون عاما عاشها يستعجل قدوم اول الشهر تلو الاخر ليقبض مرتبه الذي يحل به مشاكله العائليه التي لاتتوقف حتي تعاود الضرب من جديد عندما يضع يديه في جيبه في منتصف الشهر فيجد جيبه خاويا من المرتب ، فيستعجل اوله ، اذن هو لا يحيا الا أياما معدودات في بدايه اول كل شهر ثم يبدأ نجمه بالافول وشمس عمره بالاختباء باقي الشهر والتواري من عامه الناس وخاصتهم،لايحضر المناسبات ولايحب السهر لانه مقيد بالصحيان مبكرا لكي يكون اول الموقعين في دفتر الحضور ، واليوم قد طوي دفتر الحضور الي الابد، فله الحريه الكامله في تأخير نومه وتأخيرالصحيان، لقد اصبح حرا من قيد الوظيفه ، ومن الان سوف ينطلق الي العمل الخاص، وبنقود مكافأه نهايه الخدمه يمكنه ان يؤسس مشروعا يدر عليه اضعاف مايقبض من معاش ،وعليه كان يسعي بقوه لانهاء اجراءات المكافأه ، بعدما حَسب التأمينات المخصومه منه طوال اربعين عاما، فوجدها اكثر من نصف مليون جنيه ، وقد جهز يوم الصرف حقيبه سمسونيت لحمل نقود المكافأه والمشروع ، وفي اليوم الموعود للصرف فوجئ برساله علي هاتفه فحواها انه لاداعي للحضور فلسوف نرسل لك المكافأه علي حسابك في البنك ، لم ينم عبد الباسط في هذه الليله بعدما قضي ساعات الليل في المفاضله بين المشاريع ، تاره يفكر في شراءسياره اجره ،ثم يتراجع محدثا نفسه لا لا سوبر ماركت صغير احسن ،فجأه قفز الي مخيلته احد اقاربه يعمل سمسارا ، فليفتح مكتب للسمسره واهي فلوس بتيجي من الهوا، وفي النهايه استقر علي الدخول في النوم والصباح رباح يمكنه التفكير بتروي وتؤده، استيقظ الاستاذ عبد الباسط يوم قبض المكافأة وكأنه لم يستيقظ من قبل ، وتذكر بداياته في الاستيقاظ عندما كان يفتح النافذه مبتهجا بنور الصباح ،تلكم الابتهاج الذي حُرم منه طويلا بسبب الوظيفه طيله اعوام الخدمه فلم يفتح فيها نافذه ولم يملأ صدره بالهواء كما ان عتمه الوظيفه اعمته فلم يحس يوما بالشمس الحانيه، يومها ملأ البيت غناءا وهو يجهز لنفسه افطارا كونتننتل، وعلي اليو توب نقر ليختار من اغاني الصباح الفتاح مايشاء ، ياحلو صبح ياحلو طل ، ياصباح الخير ياللي معانا، المصيبه انه أكثرا ماكان يدفعه الابتهاج لترديد مقاطع من الاغنيات بصوته الاجش الذي اقلق البيت كله ، ولكن لابأس فبعد قليل سوف يراضيهم عندما يبلغهم بحجم المبلغ المرصود له من مكافأه نهايه الخدمه ، فارتدي ملابسه سريعا غير عابئ بتأفف اولاده وزوجته من صوته ، وهبط سريعا مفعم بالامل وبالحياه وهو يتجه الي اقرب ماكينه صرف ليستعلم ، مش مهم اَسحبْ المبلغ اليوم!! ولكني سوف اسوق البشري لأولادي بأن حسابي في البنك قد اُتخم بالجنيهات، فلاعوز بعد اليوم ، وضع عبد الباسط الكارت في الماكينه وخبط علي زر الاستعلام وفي الحال ظهر المبلغ المأمول ، ولكن لاطلع مأمول ولاحاجه ، ساعتها اصيب عبد الباسط حموده بوكسه وخيبه امل ، فالمبلغ الذي ظهر بالماكينه يكفي بالكاد مصاريف الدروس الخصوصيه لابنه الذي انتقل هذا العام للصف الثالث السنوي ،وفي الحال ألغي عبد الباسط حموده كل المشاريع الدائره بخلده ، وعاد الي بيته في الحاره مكسورا مهزوم الوجدان ، يردد اغنيه عبد الحليم حافظ قارئه الفنجان ، وعند باب الحاره سمع صوت المغني عبد الباسط حموده ينطلق بقوه من احدي المحال، فراقه تريده لكلمه انا انا وانه لم يعرف نفسه، فرثي لحاله، وظن ان المغني يعاني من الزهايمر بعدما جمع الكثيرمن المال نتيجه عمله الخاص بالفن ،فحمد ربه علي نعمه الصحه التي لازال يتمتع بها وقرر ان يغير طريقه معيشته ليضيف حياه من صنع نفسه في الثلث الاخير من عمره.