الجمعة 23 يناير 2026 12:44 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : حين يغيب خبراء السياسة

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

السياسي المحترف ليس مجرد لقب أو وجه متكرر على الشاشات، بل هو العمود الفقري للدولة، الضابط الأول لإيقاع السياسة، والحارس الحقيقي لمصالح الوطن والمواطن. حضوره يفرض التوازن ويحول الأزمات إلى فرص، ويعطي لكل قرار وزنه الحقيقي، ولكل كلمة صداها في الواقع. هو يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، متى يعد ومتى يفي، ومتى يضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار شخصي.
لكن مع غيابه، تختفي الرصانة والحكمة، ويحل العبث محل الخبرة. الجهلة والمغامرون يسيطرون على المشهد، يصدرون أحكامًا بلا أساس، وتصبح القرارات الوطنية رهينة المزاج الإعلامي والصراعات الجانبية. كل ملف وطني يتحول إلى ساحة لعب، وكل أزمة إلى فرصة للمزايدة، والشعب يقف على هامش الفوضى متسائلاً: أين القيادة؟ أين المسؤولية؟
غياب الخبراء الحقيقيين ليس صدفة، بل نتيجة تراكمية لتهميش الخبرة وتراجع المسؤولية، وترك الفراغ لمن لا يعرف من السياسة إلا الاسم. ومع مرور الوقت، يكبر الفراغ القيادي، وتتفاقم الأزمات، وتصبح الدولة عرضة لكل مفاجأة غير محسوبة: اقتصادية، اجتماعية، وأمنية. المواطن يشعر أن مستقبله يُترك للصدفة، وأن القرارات تُتخذ بلا رؤية واضحة، وكل يوم يغيب فيه السياسي الحقيقي يزداد الخطر على المجتمع بأسره.
الأسئلة التي تفرض نفسها الآن: كيف نعيد خبراء السياسة؟ كيف نحمي الخبرة ونكافئ الكفاءة؟ الإجابة ليست في الخطابات العامة، بل في ممارسات حقيقية: دعم النخب السياسية القادرة على اتخاذ القرار الصائب، تعزيز ثقافة المساءلة والمحاسبة، ورفع معايير الكفاءة في كل موقع مسؤولية. يجب أن يُغلق الباب أمام الجهلة والمغامرين، وتُستعاد السياسة كقيادة ورؤية ومسؤولية، لا مجرد كلام وهراء.
السياسي المحترف هو من يحوّل الفوضى إلى نظام، التهديدات إلى فرص، والمشكلات المعقدة إلى حلول واقعية. غيابه يكلف الدولة الثقة والمجتمع والمستقبل. كل يوم يمر بلا هؤلاء الخبراء يترك أثرًا عميقًا على مؤسسات الدولة وعلى حياة المواطن العادي، ويجعل المستقبل هشًا وغير مستقر. الوطن لا ينجو إلا بقيادة واعية ومؤهلة، قادرة على حماية مستقبله ومصالح شعبه.

مدحت الشيخ حين يغيب خبراء السياسة الجارديان المصرية