الجمعة 23 يناير 2026 02:19 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب: في تعدد أنظمة التعليم وتفكك الرأي العام: تأملات في أزمة الدولة والعقل في عصر التشتت....

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

لم يكن التعليم، في أي مرحلة من مراحل بناء الدول الحديثة، مجرد عملية نقل معرفة، ولا وسيلة للحصول على وظيفة، ولا سلّمًا للحراك الاجتماعي فحسب، بل كان في جوهره أداة الدولة الأخطر والأعمق لصناعة العقل العام، وتشكيل الوجدان الجمعي، وبناء حدٍّ أدنى من الاتفاق الذي يسمح لمجتمع متنوع أن يعيش داخل إطار واحد دون أن يتحول الاختلاف فيه إلى تصادم، أو التنوع إلى قطيعة. ومن هذا المنطلق، لم يكن حديث رواد التنوير الأوائل عن توحيد التعليم حديثًا إداريًا أو تنظيميًا، بل كان حديثًا سياسيًا وفكريًا بامتياز، لأن توحيد التعليم كان يعني، في جوهره، توحيد نقطة الانطلاق العقلية التي ينظر منها المواطن إلى نفسه، وإلى الدولة، وإلى المجتمع، وإلى العالم.غير أن الزمن تغيّر، وتبدّلت الأدوات، وتفككت البُنى التي كانت تسمح للدولة بأن تصنع عقلًا عامًا متماسكًا عبر التعليم وحده، فصرنا نعيش اليوم في واقع تعليمي متعدد المسارات، متباين المرجعيات، متضارب الأهداف، لا يجمع بين أطرافه سوى الاسم العام: تعليم. لكن هذا الاسم لم يعد كافيًا لإخفاء الحقيقة الأكثر إيلامًا، وهي أننا لم نعد نملك تعليمًا واحدًا بوجوه متعددة، بل نملك أنظمة عقلية متجاورة، تعيش داخل حدود الدولة نفسها، دون أن تلتقي عند معنى واحد جامع. من التعليم كأداة توحيد إلى التعليم كعامل انقسام
في الدولةالكلاسيكية، كان التعليم يعمل كقناة مركزية، تمر عبرها القيم الكبرى، والسردية الوطنية، ومفهوم الصالح العام، ومعنى الانتماء، وحدود الاختلاف المشروع. أما في واقعنا المعاصر، فقد تحوّل التعليم إلى مسارات مستقلة، لكل منها منطقه الداخلي، وأولوياته الضمنية، ومرجعيته غير المعلنة، بحيث لم يعد الاختلاف بينها اختلاف تنوع داخل إطار واحد، بل اختلاف رؤى للعالم ذاته.
فالتعليم العام، والتعليم الخاص، والتعليم الأزهري، والتعليم الدولي، لم يعودوا اختلافًا في الوسائل، بل اختلافًا في الغايات، ولم يعودوا طرقًا متعددة للوصول إلى المواطن نفسه، بل طرقًا متعددة لإنتاج مواطنين مختلفين في تصورهم لمعنى الدولة، ودورهم فيها، وحدود علاقتهم بها.
وهنا تبدأ أزمة الرأي العام، لا بوصفها ظاهرة إعلامية أو سياسية، بل بوصفها نتيجة حتمية لانقسام العقل الجمعي عند جذوره الأولى.
العقل المتكوّن في التعليم الخاص: منطق الفرد والفرصة
ينشأ طالب التعليم الخاص داخل منظومة تُعلي من قيمة الإنجاز الفردي، والتميز الشخصي، والقدرة على المنافسة في سوق مفتوح، تُقاس فيه القيمة بالمهارة، والنجاح بالقدرة على الحركة، والانتماء بمدى تحقيق الذات.
الدولة، في هذا السياق، ليست كيانًا جامعًا، بل إطارًا تنظيميًا، يُطلب منه أن يوفّر الاستقرار، لا أن يصوغ المعنى، وأن يُسهّل الطريق، لا أن يحدّد الاتجاه.
هذا العقل لا يرى في نفسه جزءًا من مشروع جمعي بالضرورة، بل فاعلًا مستقلًا داخل منظومة فرص، وهو عقل قد يكون منتجًا وفعّالًا، لكنه حين ينفصل عن أي تصور مشترك للصالح العام، يتحول إلى عقل نفعي، يرى الوطن مساحة استخدام، لا رابطة التزام.
العقل المتكوّن في التعليم الأزهري: منطق المرجعية واليقين في المقابل، يتكوّن العقل الأزهري داخل إطار معرفي قائم على المرجعية النصية، وسلطة التفسير، والتماسك الداخلي للمنظومة الفكرية.وهو عقل يمتلك عمقًا معرفيًا في مجاله، لكنه كثيرًا ما يُنشَّأ على الاكتفاء بالإجابات الجاهزة، وعلى النظر إلى العالم من زاوية مكتملة سلفًا، لا من زاوية السؤال المفتوح.
وحين لا يُدمَج هذا العقل في أسئلة الدولة الحديثة، وتعقيداتها، وتحدياتها المتغيرة، فإنه قد يتحول إلى عقل منغلق، يرى الاختلاف تهديدًا، ويرى التعدد اضطرابًا، ويبحث عن اليقين في عالم لم يعد يقبل اليقين المطلق.العقل المتكوّن في التعليم العام: منطق التكيّف والنجاة .أما التعليم العام وهو الكتلة الأكبر، فيُنتج عقلًا مختلفًا تمامًا، عقلًا يتعلّم ليجتاز، لا ليبني، وليتكيّف، لا ليقود. طالب مثقل بالمناهج، محدود الموارد، ضعيف الثقة، يتعامل مع التعليم كعبء لا كأفق، ومع الدولة كسلطة لا كشراكة.
هذا العقل لا يملك رفاهية الحلم، ولا أدوات النقد، ولا مساحات السؤال، فينشأ وهو يرى الواقع قدرًا لا مشروعًا ، ويبحث عن النجاة الفردية داخل منظومة لا يشعر أنها تخصه. حين يتعدد العقل… يستحيل توحيد الرأي العام الرأي العام، في جوهره، ليس اتفاقًا كاملًا، بل حدًّا أدنى من الفهم المشترك، يسمح للمجتمع أن يختلف داخل إطار واحد.لكن كيف يمكن توحيد الرأي العام، حين تختلف العقول في تعريف النجاح ، تصور الدولة ، معنى المواطنة ، حدود الحرية ،قيمةالقانون ،طبيعة الصالح العام .
حين يقرأ المواطنون الحدث الواحد بعقول مختلفة جذريًا،
ويفسرونه بمنظومات قيم متباعدة، ويحاكمونه بمعايير لا تلتقي ، فإن الرأي العام لا يتشكل، بل يتفتت إلى أصوات متزامنة، لا تتحاور، ولا تتقاطع، ولا تنتج موقفًا جماعيًا.
الخطأ القاتل هو الاعتقاد بأن العودة إلى فكرة توحيد التعليم شكليًا يمكن أن تحل هذه الأزمة.
فالعصر الذي نعيشه لا يسمح بصناعة عقل واحد بالقوة، ولا بفرض رؤية مركزية مغلقة، ولا بإلغاء التعدد، لأن مصادر التكوين لم تعد محصورة في المدرسة، بل امتدت إلى المنصات الرقمية، والفضاءات المفتوحة، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، والإعلام العابر للحدود حتى لو توحد المنهج، فإن العقل لن يتوحد.
الحل الواقعي الوحيد، في تقديري، هو أن تمتلك الدولة مشروعًا فكريًا واضحًا، وتقوم بزرع نواته الصلبة داخل كل نظام تعليمي، دون أن تلغي خصوصيته، أو تكسر منطقه الداخلي.
نواة تشمل: معنى الدولة بوصفها عقدًا جامعًا. مفهوم المواطنه بوصفه حقا ومسؤوليه حدود الاختلاف المشروع ، مركزية القانون ، قيمة العمل العام ، العلاقة المتوازنة بين الفرد والمجتمع .
كل طالب، أيًّا كان مساره التعليمي، يجب أن يخرج وهو يتفق على هذه الأسس، حتى لو اختلف بعدها في الرؤى والتفاصيل.
الخاتمة: أزمة التعليم مرآة لأزمة الدولة

سماح عزام في تعدد أنظمة التعليم وتفكك الرأي العام: تأملات في أزمة الدولة والعقل في عصر التشتت.... الجارديان المصرية