السبت 24 يناير 2026 07:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : بائعة الضمير

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

مررتُ بمحلاتٍ كثيرةٍ تتزاحم على جانبي الطريق، واجهاتها تلمع، أضواؤها تخطف الأبصار، وزينتها توحي بأن كل ما بداخلها ثمين ومطلوب. كل دكان يصرخ بصمت: “ادخل… هنا الربح، هنا المكسب، هنا النجاح”. غير أن عيني توقفت فجأة عند دكانٍ وحيدٍ كئيب، لا زينة عليه ولا ضياء، بل كومة من التراب غطّت بابه، وكأن الزمن تعمّد أن يدفنه حيًّا بين ضجيج السوق. دفعتني دهشتي إلى الاقتراب، فوجدت بداخله امرأةً عجوزًا، حفرت السنين أخاديدها على وجهها، وارتسم البؤس في عينيها كحكايةٍ طويلةٍ بلا نهاية. سألتها بدهشةٍ ممزوجةٍ بالحزن: لماذا هذا التراب كله على محلك؟ فابتسمت ابتسامة موجعة وقالت: “منذ ألف عام… لم يشترِ أحدٌ مني ضميرًا”.
تلك الكلمات لم تكن إجابة عابرة، بل كانت مرآةً صادمة للواقع الذي نعيشه. أدركت حينها أن هذا الدكان ليس خيالًا، وأن تلك العجوز ليست امرأةً منسية، بل رمزٌ حيٌّ لقيمةٍ عظيمةٍ تراجعت في سوق الحياة. فالضمير، ذلك الصوت الخفي الذي كان يومًا حارسًا للأفعال وميزانًا للعدل، صار اليوم عبئًا ثقيلًا يتخلّى عنه الكثيرون عند أول اختبار. في زمن تُقاس فيه القيم بحجم الأرباح، ويُكافأ فيه الماكر قبل الصادق، أصبح الضمير سلعةً كاسدة، لا مكان لها بين بضائع الخداع السريع.
في هذا السوق الكبير، تُباع الكلمات وتُشترى المواقف، وتُؤجَّر المبادئ عند الحاجة. نرى من يتحدث عن الشرف نهارًا، ثم يطويه ليلًا إذا تعارض مع مصلحته، ومن يرفع راية الأخلاق في العلن، ثم يدهسها في الخفاء. الجميع يركض خلف المكسب، لكن القليل فقط يتوقف ليسأل: بأي ثمن؟ وهنا تكمن الكارثة؛ فحين يُقصى الضمير، يصبح الظلم مهارة، والكذب دهاء، والخيانة “شطارة” يُصفَّق لها.
بائعة الضمير لم تكن فقيرة لأنها لا تملك، بل لأنها تملك ما لا يريده أحد. تملك الصدق في زمن الزيف، والعدل في زمن المصالح، والرحمة في زمن القسوة. ولهذا تراكم التراب على دكانها، لا لأن السلعة فاسدة، بل لأن القلوب التي تمرّ أمامها أغلقت أبوابها، ولم تعد ترى إلا ما يخدم شهواتها العاجلة. فالضمير يحتاج إلى شجاعة، وإلى استعداد لتحمّل الخسارة، وإلى إيمانٍ عميق بأن ما يُرضي الله والإنسان أغلى من أي مكسبٍ زائل.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفقر ولا الجهل وحدهما، بل غياب الضمير. فكم من عالمٍ بلا ضمير كان أضرّ من جاهل، وكم من غنيٍّ بلا ضمير كان أفتك من فقير. حين يغيب الضمير، تتحوّل الوظيفة إلى وسيلة ابتزاز، والسلطة إلى أداة قمع، والإعلام إلى بوق تضليل، والدين إلى قناعٍ يُستخدم عند الحاجة. وحينها لا يعود السؤال: ماذا أفعل؟ بل: ماذا سأجني؟
ومع ذلك، تبقى بائعة الضمير جالسةً في دكانها، تنتظر. تنتظر إنسانًا واحدًا لم يصدأ قلبه بعد، يدرك أن الحياة بلا ضمير صفقة خاسرة مهما بدت أرباحها مغرية. تنتظر من يفهم أن الضمير ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة إنسانية لبقاء الفرد والمجتمع. فالأمم لا تسقط حين تفقر، بل حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، والأفراد لا يهلكون حين يخسرون تجارة، بل حين يربحون وهم خاسرون في ميزان الحق.
وهنا، عند نهاية الحكاية وبدايتها في آنٍ واحد، يظل السؤال معلّقًا: أيُّ طريقٍ نختار؟ طريق الأضواء الزائفة الذي يخدع الأبصار ويترك القلوب خاوية، أم طريق القيم الذي قد يُتعب الخطى لكنه يطمئن الروح؟ فالضمير ليس كلمةً تُقال ولا شعارًا يُرفع، بل موقف يُتَّخذ حين تتعارض المصلحة مع الحق، وحين يكون الصمت أسهل من الشهادة، والربح أقرب من العدل. هناك فقط يُمتحن الإنسان.
لسنا بحاجة إلى معجزةٍ تُغيّر العالم، بل إلى قرارٍ شجاع داخل كل واحدٍ منا: أن نُعيد للضمير مكانه قائدًا لا تابعًا، حكمًا لا شاهد زور. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، ولا تُحمى بالقوة فقط، بل تُصان بقلوبٍ تعرف أن الكرامة أغلى من المال، وأن الحق أثقل من الذهب. وحين يعود الضمير إلى الصدارة، يصبح العمل عبادة، والسلطة أمانة، والكلمة مسؤولية.
قد يظل دكان بائعة الضمير موحشًا لبعض الوقت، وقد يتراكم عليه الغبار مرةً أخرى، لكن يكفي أن يمرّ به إنسانٌ واحدٌ صادق ليكسر هذه العزلة. يكفي أن نشتري منها ضميرًا واحدًا ليتغيّر السوق كله. فحين يُبعث الضمير في فرد، يوقظ جماعة، وحين ينهض في جماعة، يُنقذ وطنًا. تلك هي التجارة الوحيدة التي لا تعرف الخسارة، وذلك هو الربح الحقيقي الذي إن تحقق، ربحت الإنسانية كلها.

حسين السمنودى بائعة الضمير الجارديان المصرية