السبت 31 يناير 2026 03:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة ھدى حجاجي أحمد تكتب: حين تتعلّم الأشياء أن تنام

 الكاتبة ھدى حجاجي أحمد
الكاتبة ھدى حجاجي أحمد

عندما كان النوم يخطفه، لم يكن يغيب. كان يعود بلا سابق إنذار. تدخل القرية حجرته بلا طرق، كأنها لم تغادرها يومًا، تحمل معها العشب الرطب، رائحة الخبز القديم، أصوات النسوة الغارقات في الغناء، خطواته الصغيرة حين كان يركض دون حساب. تغطيه العشب لتذكّره بأنه كان يومًا جزءًا من الأرض، وأن الصمت ليس ضعفًا. لكن الواقع صار قاسيًا: المدينة طريق سريع، البيوت شقق متشابهة، والنهر مجرد خط أزرق في كتاب جغرافيا.
حين يخطفه النوم، يعلّق الليل والنهر حقيبتين مدرسيّتين على كتفيه ويمشيان نحوه بخطوات مترددة. يجلس الليل أولًا، يتعلّم كيف يكون معتمًا ودافئًا، يدرك أن الظلمة ليست غيابًا للنور، بل حضن للأشياء المتعبة، بينما يجلس النهر طويلًا قبل أن يبدأ درس الغناء بلا حركة، يحافظ على صوته رغم ضفافه الصلبة، يعلم الرجل الصبر والثبات، لكنه يسمع همسات الوحدة والفقد في كل شيء، فالقرية تدخل حجرته لتذكّره بما فقد، لا لتعليم درس.
الرجل، الذي لم يعد طفلًا إلا في النوم، حلم بأن القرية تحتاجه، لم يكن ليعود إليها، بل ليحملها معه دون أن تؤلمه. تركها ذات صباح بلا وداع، ظنًا أنه ذاهب ليصبح شيئًا، ولم يدرك أن الأشياء التي تُغادر بلا وداع تعود لاحقًا على هيئة فقد. كبر، تعلم المدن، أتقن الصمت والمجاملة وتقنين الحنين، لكن كلما حاول أن ينام، كانت القرية تدخل حجرته، تعيد ترتيب خساراته بهدوء، تذكّره بالفقد والألم المستمر.
في إحدى الليالي، لم يخطفه النوم سريعًا. ظل مستيقظًا، يشعر بأن شيئًا ما سينكسر. حين جاء النوم، جلس عند حافة السرير وقال له بلا صوت: “لن أستطيع أن أحملك طويلًا إذا لم تتعلم الاستيقاظ بشيء مما تحلم.”
في الصباح، نهض الرجل مختلفًا. لم يكن سعيدًا، ولا شجاعًا، بل أقل هروبًا. خرج وحمل القرية معه، لا كذكرى، بل كمسؤولية. فهم أخيرًا أن النوم لم يكن ملاذًا، بل تدريبًا، وأن الليل والنهر تعلّموا ليعلّموه: الدفء لا يأتي من الضوء، والغناء لا يحتاج إلى الحركة، وأن ما يبقى حيًا في الداخل، رغم كل الخراب، هو ما يشكل العالم.
ومنذ ذلك اليوم، حين يخطفه النوم، لا تعود القرية كاملة. تأتي فقط لتطمئن أن ما تبقى منها صار حيًا في النهار، رغم الوحدة، رغم الفقد، رغم الألم المستمر.

الكاتبة ھدى حجاجي أحمد : حين تتعلّم الأشياء أن تنام الجارديان المصرية