الأربعاء 4 فبراير 2026 08:37 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول...( فضيحة إبستن ... أم فضيحة عالَم ..؟! )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

جيفري إبستين لم يكن منحرفًا ثريًا سقط في لحظة انكشاف ، و لم يكن مجرد رجل سيّئ الحظ اصطادته العدالة متأخرة .. إبستين كان وظيفة و أداة ، كان مؤسسة ظل ، كان غرفة عمليات تُدار فيها النخب كما تُدار الدمى ..

العالم لم يُصدَم لأن طفلة انتهكت و أغتصبت ، و لا لأن جزيرة تحولت إلى مسلخ إنساني.. العالم صُدم لأن القناع انزلق للحظة ، فرأى الجميع وجه الحضارة الحقيقي ، وجهًا أنيقًا من الخارج ، متعفنًا من الداخل ..

حين تُفتح ملفات إبستين لا تسأل من ظهر اسمه ، اسأل السؤال الذي يخشاه الجميع : من الذي سمح له أن يوجد أصلًا؟..

لأن إبستين لم يكن ممكنًا بدون رعاية .. لا يمكن لرجل واحد أن يقترب من رؤساء ، و أمراء ، و مليارديرات ، و جامعات ، و أجهزة ، و شركات ، و طائرات خاصة ، ثم يُقال لك إنه مجرد مجرم مستقل ..

هذا كذب رسمي و تضليل على الواقع المزيف .. إبستين لم يكن صيادًا فقط ، بل كان أداة صيد .. ففي السياسة الحديثة ، الجنس ليس شهوة ، إنه سلاح .. و الصور ليست ذكريات ، إنها قيود .. و الفضائح ليست أخطاء ، إنها مفاتيح ..

إبستين كان بنك معلوماتى و ابتزاز عالميًا ، يُودَع فيه السقوط ، و تُسحَب منه الطاعة و الإرادة .. و هنا نفهم لماذا لا تموت هذه القضية أبدًا ، لأنها ليست قصة رجل ، بل قصة نظام كامل بُنيَ على فكرة واحدة : أن تجعل النخبة تقع ، ثم اجعلها ملكك .. و كل اسم يظهر في الوثائق ليس مجرد ذِكْر عابر ، إنه إشارة ، إنه احتمال ضغط ، إنه خيط في شبكة أكبر من القضاء و أقذر من الإعلام ..

ثم يأتي التوقيت ، لماذا الآن؟..

هل لأن العدالة استيقظت؟..

هل لأن الضمير الغربي قرر التطهر من جرائمه ؟..

لا تضحكوا على أنفسكم .. فالعدالة لا تستيقظ فجأة في الإمبراطوريات .. لأن العدالة تُستدعى فقط حين تصبح أداة .. و الوثائق تُفتح عندما تتصارع الأجنحة ، و عندما تقترب الانتخابات ، و عندما يتمرد لاعب ، و عندما تنتهي صلاحية وجه ، و عندما يحتاج النظام العالمي إلى كبش أنيق يُلقَى للشعوب كي تهدأ ..

الفضيحة هنا ليست كشفًا للمستور ، بل إنها إدارة غضب .. إبستين ليس نهاية الشر ، بل طريقة لتنظيمه .. فالغرب لا يريد الاعتراف بالحقيقة الكبرى : المشكلة ليست إبستين ، المشكلة أن إبستين كان طبيعيًا داخل هذا العالم ..

فحضارة ترفع شعار حقوق الإنسان ، لكنها تصنع أسواقًا للطفولة .. و حضارة تتحدث عن التقدم ، لكنها تُلمّع القبح و تسميه حرية .. و حضارة تصرخ ضد الاستبداد ، لكنها تمارس أبشع أشكال الاستعباد في الغرف المغلقة .. إبستين لم يكن استثناء ، كان إبنًا شرعيًا للنخبة .. و لهذا فإن ما يُنشر ليس الحقيقة كاملة ..

ما يُنشر هو ما يسمح به الصراع الداخلي فقط .. نجد قائمة تُفتح ، و قائمة تُغلق .. و اسم يُضحّى به ، و اسم يُحمى .. و وجه يُحرق ، و وجه يبقى فوق القانون .. هذه ليست شفافية ، هذه تصفية حسابات داخل الطبقة العليا ..

و لهذا أيضًا لا تبحث كثيرًا عن الأسماء في الدفعات الرسمية ، لأن اللعبة نفسها تُدار من المركز الغربي ( مجلس إدارة العالم ) ، و النشر يُستخدم لخدمة صراعاته ، لا لكشف العالم ..

و الشرق ليسوا في النص ، لأن النص لم يُكتب لهم بعد .. الملفات الدولية الأوسع تُترك لوقت الابتزاز المناسب و اللعب بها كورقة ضغط..

و في النهاية ، إبستين مات ، لكن الملفات لم تُغلق بعد .. و الجزيرة انتهت ، لكن الشبكة لم تنتهِ بعد .. و الرجل اختفى ، لكن الوظيفة باقية ..

و هنا يبقى السؤال الأكثر رعبًا : إذا كان إبستين قد إنكشف ، فكم إبستين آخر يعيش الآن دون أن نعرف اسمه بعد؟.

خالد درة ﻣﻦ باريس بالعقل أقول...( فضيحة إبستن ... أم فضيحة عالَم ..؟! ) الجارديان المصرية