الخميس 5 فبراير 2026 05:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : الإسلام والثقافة متآلفان أم متنافران ؟

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

في مثل هذه الأيام يغلق معرض القاهرة الدولي للكتاب أبوابه معلنا انتهاءه ، بعدما رأى زوّاره ما رأوه من كتب في شتى المجالات ، ومن شتى مشارب مؤلفيها ، وكل منهم يحمل بين يديه عددا من الكتب الذي اشتراها ، ويتمنون أن يكون معهم مزيدا من المال ليشتروا به كتبا أخرى تركوها بين الأرفف متحسرين ، ولكن كما يقال في الأمثال "ما باليد حيلة "فإن للقراءة عشاق ، ومعجبون كما يعجب المرء بمحبوبه ، ولها متعة لا تدانيها متعة عندما يقرأ لمؤلف ما يحب كتاباته ، وكأن بينهما حديث شيق ، ثم يفاجأ بعد وقت قصير بأن المؤلف قد سكت عن حديثه معلنا انتهاء كتابه ! حينها يشعر القارئ بأنه قد تناول وجبة دافئة جميلة ، ولكنها غير مشبعة ، فيقرر أن يقرأ الكتاب مره أخرى . وقد أثبتت الدراسات كما أن للبطن له غذاؤه فإن للعقل له غذاؤه ، وهو القراءة، وإن القراءة علامة على التحضر ، والتقدم ، يقول تعالى "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ والَّذِينَ لا يعلمون" ؟ ! بالطبع كلا ، يقول العلماء "إن القراءة عبارة عن عملية معرفية ، وفكرية من شأنها تحفيز العقل على التفكير السليم ، وتوسّع مداركه" كما أنها تساعد العقل الحبيس من سجن الجهل إلى عالم المعرفة ، والانطلاق ،كما ينطلق العصفور من قفصه ،وينطلق مسرعا نحو عالم الحرية ، وسعة الآفاق ، يقول علماء التربية "أن القراءة تستثير المرء على العمل باستمرار ، مما يجعلها تحد من حدوث الأمراض العقلية المختلفة ،وتحافظ على بقاء الدماغ نشطا ، وتعزز من قدرته على التركيز، والتحليل" وليس هذا فحسب بل أنها تفرق بين سعة فكر ، وعقل القارئ ، ونقله إلى عالم النور ، وبين صاحب العقل المحدود ، والخالي من بهارات الثقافة ، ولذة طعم القراءة التي لا يدركها إلا مرهفوا الحسّ والعقل الرشيد ، ولذا اهتم القانون الدولي بالثقافة ، وحرية التعبير من خلال الأمم المتحدة في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 ، وهذا بالطبع شيء محمود ، وعظيم ، ولا غبار عليه ..
بينما الإسلام قد اهتم بالثقافة ، والقراءة منذ أكثر من ألف ، وأربعمائة عاما ،واهتم به اهتماما بالغا ، ولم لا ،وأن معجزته كتابا ؟ ! ألا هو كتاب الله "القرآن الكريم" ليقولها مدوية ، وللعالم بأسره ، بأن الإسلام يحث الناس على الثقافة ،وحب العلم ، والتحضر ، وينبذ الجهل ، والتخلف ، ويتجلّى ذلك بدءا من عنوان هذا الكتاب المعجز "القرآن" حيث يقول علماء اللغة العربية ، والصرف أن لفظ "القرآن "مصدر للفعل "قرأ "ولهذا الفعل مصدرا آخر ،وهو "قراءة" ولكن "قرآن" أبلغ من المصدر "قراءة" لأنه يدل على الحركة ، والتنقل ، والاضطراب "فكما أن البحر تتحرك مياهه ، وتتنقل من مكان إلى آخر ، وتتقلب ، وتضطرب أمواجه ، فعيني القارئ ، وعقله أيضا تتحركان بين سطور الكتاب ، وتتنقل من مكان لآخر ، بحثا عن الكنوز ، واللآلئ المخبأتان بين سطور الكتاب .وليس هذا فحسب ، بل أنك إذا قرأت أوّل آية نزلت في كتاب الله ستجدها أنها تحث على القراءة ، والثقافة ، يقول تعالى "اقرأ" فكأنما يقول الله لنا ، أن الجهل هو العدو الأول للإنسان ، وأخطر آفات الأمم ، ويقول الخبراء "أن الجهل يقود المرء إلى التخلف ،والمرض ، وتكثر معدلات الجريمة ، والتخريب ، والعنف ، وشيوع
الفوضى" وليس هذا فحسب بل أنه يبث الفتن ، والكراهية بين الناس ، كما يبث الخبثاء السمّ في العسل ، مما يطمع الأعداء في العبث ببلادنا ، والتجرّؤ على مقدساتنا ، وخيراتنا ... يقول شوقي : لم يبن ملك على جهل وإقلال وللعلماء مكانة لا تضاهيها مقامة عند الله ، حيث يقول " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا منكم وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات" كما احتوى كتاب الله على كافة العلوم بين دفتيه ، مستخدما أسلوبا راقيا معجزا ، وكلمات رشيقة وفصيحة ، ومعان سامية رقراقة يقول تعالى "مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْء "وصدق حين قال "ذلك الكتاب لا ريب فيه" حقا إنه لكتاب عقلي دسم ، ومنطقي معجز ، فما أروعه من كتاب ، وما احتواه من علوم

زكريا سليمان الإسلام والثقافة متآلفان أم متنافران ؟ الجارديان المصرية