الخميس 5 فبراير 2026 05:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد تكتب: كسل المتلقي في زمن ما بعد الحقيقة: قراءة ثقافية في موت المعنى

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد-
الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد-

تمهيد
لم تكن الحقيقة يومًا كيانًا هشًا، لكنها كانت دائمًا كيانًا مُزعجًا. عبر التاريخ، تعرّضت للتشويه على يد الأيديولوجيات الكبرى التي سعت إلى احتكارها أو تطويعها لخدمة سردياتها الخاصة. غير أن التحوّل الأخطر في عصرنا الراهن لا يكمن فقط في تضليل السلطات أو تلاعب الإعلام، بل في انتقال مركز الخطر إلى المتلقي نفسه. ففي زمن «ما بعد الحقيقة»، لم تعد الحقيقة تُقمع بالقوة، بل تُهمَل طوعًا، وتُستبدَل بوهمٍ أكثر راحة وأقل كلفة معرفية.
أولًا: من ندرة المعلومة إلى فيضها المُوجَّه
شهدت المجتمعات الحديثة انتقالًا جذريًا من عصر الشحّ المعرفي إلى عصر الوفرة المعلوماتية. هذا التحول، الذي كان يُفترض أن يعزّز الوعي، أنتج مفارقة خطيرة: كثرة المعلومات لم تؤدِّ إلى اتساع الفهم، بل إلى تشويشه. فالمشكلة لم تعد في الوصول إلى المعلومة، بل في آليات اختيارها، وترتيبها، وتقديمها ضمن سياقات تُرضي التحيّزات المسبقة للمتلقي.
تعمل الخوارزميات الرقمية بوصفها «محرّرات خفيّة للوعي»، إذ تعيد تشكيل المجال المعرفي للفرد بحيث لا يرى إلا ما يشبهه، ولا يسمع إلا ما يؤكّد قناعاته. في هذا الإطار، تتحوّل الحقيقة إلى مادة استهلاكية، تُقاس قيمتها بمدى قابليتها للمشاركة، لا بمدى صدقها أو تعقيدها.
ثانيًا: كسل المتلقي بوصفه فاعلًا ثقافيًا
يُخطئ من يظن أن المتلقي في عصر ما بعد الحقيقة مجرد ضحية سلبية. فكسل المتلقي—المتمثّل في رفض التحقّق، والعزوف عن القراءة المتأنية، والعداء للرأي المخالف—يُعدّ فاعلًا أساسيًا في إنتاج الجهل. إن مشاركة معلومة دون تدقيق، أو تبنّي موقف دون فهم سياقه، ليست أفعالًا بريئة، بل ممارسات ثقافية تُسهم في تطبيع الزيف.
هذا الكسل ليس عجزًا معرفيًا بقدر ما هو خيار نفسي؛ خيار تفضيل السهولة على العمق، واليقين السريع على السؤال المفتوح. وهنا تتبدّى خطورة الظاهرة: إذ يصبح الجهل فعلًا إراديًا، لا حالة مفروضة.
ثالثًا: وهم لوم السلطة وحدها
لا شك أن الأنظمة السياسية، والمؤسسات الإعلامية، وشركات التكنولوجيا تتحمّل قدرًا كبيرًا من المسؤولية في صناعة التضليل. غير أن الاكتفاء بلوم هذه الجهات يمنح الفرد مخرجًا أخلاقيًا مريحًا، ويُعفيه من مساءلة الذات. فالحقيقة لا تُخنق فقط حين تُمنَع، بل حين لا يُدافع عنها.
إن كل فرد يرفض الاستماع إلى رأي مخالف، أو يسخر من نقاش جاد، أو ينخرط في «القطيع الرقمي» بحثًا عن الانتماء، يشارك—ولو بشكل غير مباشر—في تآكل المجال العام، وتحويله إلى ساحة صدى، لا حوار.
رابعًا: التفكير النقدي كواجب أخلاقي
في هذا السياق، يغدو التفكير النقدي ضرورة أخلاقية لا ترفًا نخبوياً. فالتفكير النقدي لا يعني الارتياب الدائم، بل يعني المسؤولية في التلقّي: أن نسأل عن المصدر، أن نفهم السياق، أن نقبل بتعقيد الواقع، وأن نعترف بإمكانية الخطأ.
وهو أيضًا فعل شجاعة؛ لأن التفكير النقدي غالبًا ما يقود إلى العزلة المؤقتة، ويضع صاحبه في مواجهة الجماعة. غير أن هذه العزلة هي الثمن الطبيعي لحماية المعنى في عالم يُكافئ الامتثال أكثر مما يُكافئ الفهم.
خاتمة
الحقيقة لا تموت لضعفها، بل لأن الدفاع عنها مُرهق. فهي تتطلب صبرًا، ووقتًا، وجهدًا ذهنيًا، واستعدادًا لمغادرة مناطق الراحة الفكرية. أما الوهم، فيقدّم نفسه بلا شروط، سريعًا، دافئًا، وجماعيًا. لذلك نميل إليه، ثم نرثي لاحقًا عالمًا فقد بوصلته.
إن معركة الحقيقة في زمن ما بعد الحقيقة لا تُحسم في مراكز القرار وحدها، بل في وعي الأفراد. في كل مرة نختار فيها أن نتحقق بدل أن ننساق، وأن نفكّر بدل أن نُسلّم، نمنح الحقيقة فرصة جديدة للحياة.

الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد كسل المتلقي في زمن ما بعد الحقيقة: قراءة ثقافية في موت المعنى الجارديان المصرية