الخميس 5 فبراير 2026 06:09 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومي يكتب : ”” التاريخانية”.. نبوءة ”المفكرين الكذبة و” تهافت المثقفين”

الكاتب الكبير  عصام بيومي
الكاتب الكبير عصام بيومي

ذكرت سابقا أن كثيرا ممن يسمون مفكرين ومثقفين في تراثنا العربي القديم والحديث والمعاصر، يمكن تسميتهم "أنبياء العصر". ولأنه لا نبي بعد محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، فهم أنبياء كذبة، على وزن مقولة "أنبياء كذبة" التي تنسب إلى المسيح عليه السلام. غير أني أحسب أن كثيرا من هؤلاء في تهافتهم لا يصلون حتى إلى مستوى الأنبياء الكذبة لأنهم منشغلون دائما بمناوشات لا ترقى إلى أن تكون فكرا، ولا تغني أو تُسمن من جهل. ولذلك سأسميهم "المثقفون الكذبة". أما الذين تصدوا لقضايا فكرية حقيقية، فقد غرق أغلبهم في مستنقعات ما يسمى الفلسفة، وجاءوا بنبوءات كاذبة، وتعلقوا بخيوط شباك الفلاسفة الواهية. تلك الشباك التي نُسجت بخبث شديد لتشويه الأديان وتخريبها من الداخل على مدى القرون. ولا شك أن بعضهم كان يعمل وفق اجتهاده الخاص، بينما عمل آخرون ضمن مشاريع "صناعة الكفر" التي شرحتها مرارا.

.. وأواصل مع "التاريخانية"، كإحدى صور ومراحل تطور الحرب على الدين كله، وأبرز معتنقيها في عصرنا الحديث، مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري، وناقده جورج طرابيشي ونصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور. ولأن الموضوع ثقيل فسأحاول أن أُبسِّطه قدر الإمكان. في "تهافت الفلاسفة"، يضع الغزالي (ت. 1111م) قاعدة منهجية مدمّرة لأي تاريخانية، في المسألة الرابعة من المقدمة الثالثة ص 68، مفادها: "ليس كل ما يُبرهن عليه العقل برهانًا يقينيًا، وليس كل ما يعجز عنه العقل مُحالًا أو باطلًا". وبهذا التمييز، ينسف الغزالي الوهم المركزي الذي ستُعيد التاريخانية العربية إنتاجه لاحقًا في عصرنا الحالي: وذلك توهُم أنصارِها أن حدود العقل هي حدود الوجود والمعنى. فالغزالي، المفترى عليه، لا يهاجم العقل، بل يهاجم تضخيمه ليتحول من أداة كشف إلى سلطة حكم نهائي.

وهذه النقطة وحدها كافية لتقويض مشاريع أركون وأبو زيد معًا. فمثلا، أركون، الذي زعم أنه "أنقذ النص"، اعتبر التاريخ "محكمة نهائية"، عندما أخضع النص الديني لـ"العقل التاريخي" و"الأنثروبولوجيا الدينية"، أي جعله منتجًا ثقافيًا خالصًا. بينما الغزالي، في تهافت الفلاسفة، يبيّن أن "ردّ القضايا العليا إلى عللها الظاهرة (بالعقل) فقط لا ينتج عِلمًا بل ينتج ظنًا مركبًا." يعني أفكارا عائمة مرسلة ليس لها ضابط ولا حاكم. وقد كان، فقد ظهر مرارا وبوضوح تناقض أركون وعدم حسم أفكاره فكان أن جمّد النص إلى ما لا نهاية.

هنا نفهم أن أركون اشتغل على تفكيك النص حتى يفرغه من أي دعوى للحقيقة، فيقيد ويقوض الحقيقة باسم العلم أو المنهج، بينما الغزالي يفكك أدوات التفكيك ذاتها، فيحرر الحقيقة من استبداد المنهج. فحين ناقش الغزالي الفلاسفة في مسألة "السببية"، لم ينكر انتظام العالم بذاته، التي تجعلهم يرفضون فكرة وجود خالق، لكنه أنكر تحويل هذا الانتظام إلى ضرورة عقلية مُلزمة. وهذا بالضبط ما تفعله التاريخانية: تُحوّل التاريخ من مادة ووسيلة للفهم والاستدلال إلى ضرورة تفسيرية قاهرة مُلزمة.

مثال آخر، الجابري، الذي لم يعجبه فكر الغزالي، زعم تحرير العقل لكنه حبسه في أنماط ثلاثة، وجعل ما سماه "العقل البرهاني" معيارًا وحيدًا للشرعية، وحاكمَ به التراث كله فجعل ذلك العقل البرهاني "وثنا معرفيا". بينما الغزالي، في تهافت الفلاسفة، يوجّه، مقدما، ضربة دقيقة لهذا المنطق بقوله: ليس كل ما يُصاغ برهانيًا صادقًا في نفس الأمر، وليس كل ما يعجز البرهان عنه باطلًا على الإطلاق. وهو، أي الغزالي، حين ناقش قِدم العالم، وعلمَ الله بالجزئيات، والمعاد، لم يفعل ذلك ليؤسس لميتافيزيقا بديلة، أو لبديل برهاني، بل ليكشف تجاوز العقل لمجاله حين يخوض في الإلهيات. مع أن "العقل البرهاني" ذاك ربما يصلح في الرياضيات والطبيعيات، لكنه يفشل حين يُحمّل بأسئلة الغاية والمعنى والوجود. لقد تجاهل الجابري هذا الحد الفاصل، فحوّل العقل إلى جهاز تصنيف شرطي، لا يقبل إلا معياره، "وما لا يخضع لمعياري مرفوض"، مع أن الغزالي فنّد هذا المنطق المغلوط قبل قرون بقوله: إذا تحول العقل إلى سلطة شمولية، ينتج جهلًا مقنّعًا باسم العقلانية.

مثال ثالث، طرابيشي.. وعلى غرار المستشرقين المغرضين، الذين شنوا حربا شعواء على الغزالي واتهموه كذبا بالتسبب في تخلف المسلمين، استخدم توجها أيديولوجيا، وقرأ "تهافت الفلاسفة" بوصفه إعلان حرب على العقل، مع أن الكتاب في جوهره دفاع عن العقل من الانتحار. الغزالي لا يقول: العقل فاسد، بل يقول: العقل حين يدّعي الإحاطة بكل شيء يفقد صدقيته. ففي إحدى أهم نقاط "التهافت"، بيّن الغزالي أن الفلاسفة لم يبرهنوا على كثير من دعاواهم، بل افترضوها ثم بنوا عليها أنساقًا فكرية كاملة. وهذه ملاحظة منهجية قاتلة لأي مشروع يدّعي العلمية الصارمة. وطرابيشي، مثل "التاريخانيين" عمومًا، لم يحتمل هذه الفكرة: أن يكون العقل محدودًا دون أن يكون باطلًا. وقد تم إثبات "محدودية العقل البشري" علميا بأبحاث عدة منها بحث مهم نشرته مجلة "نيتشر كوميونيكيشنز"، في يوليو الماضي. كما أن للشيخ الشعراوي تفصيل مفيد في موضوع محدودية العقل.

ومع محاولة نصر حامد أبو زيد خداعنا بمقولته عن "تاريخية النص" يبلغ مأزق التاريخانية ذروته. فحين يُختزل النص إلى خطاب لغوي تاريخي، نصل ضمنيًا إلى ما حذّر منه الغزالي: أن المعنى لا يتجاوز شروط إنتاجه. مع أن الغزالي، في "التهافت"، يميّز بين كيفية إدراكنا للمعنى، وواقع المعنى نفسه. هنا أبو زيد يذيب الاثنين معًا، فيصبح النص مرآة للثقافة، يعني نتاجا لها، لا كاشفا للحقيقة ونافذة لمعرفتها. وبهذا هو لا يُؤنسن الوحي فقط، بل يُفرغه من مكانته الإلهية ومن قدرته على الهداية أو الحكم. هنا نقول بوضوح أن التاريخانية العربية على العكس من التاريخانية الغربية فشلت فشلا ذريعا، كونها جعلت المنهج حكمًا على الحقيقة والتاريخ بديلًا عن الغاية والعقل أداة حكم وضبط لا أداة سؤال وبحث، في شيء ليس للإنسان عليه من سلطان، إلا سلطان التعلم ومحاولة الفهم وليس الحكم والمحاكمة.

هنا نصل إلى نتائج بل حقائق، يصعب الجدل بشأنها، منها أن أركون لم يُنقذ النص، كما زعم، بل علّقه وعطله. وأن الجابري لم يُحرر العقل، بل خنقه وقنّنه. وأن طرابيشي لم يُنصف الغزالي، بل خاصمه. وأن أبو زيد لم "يُؤنسن" الوحي "ويؤرخنه" فقط، كما أراد في كتابه "مفهوم النص"، بل نزَع عنه أي مكانة ربانية إلهية. وهنا نخلص إلى أن تلك "المشاريع الفكرية" التي روجت كمحاولات لتحرير العقل، كان أغلبها مقصود لتفريغ الدين من المعنى ومصادرة العقل بطرق أخرى وتعطيل النص أو الوحي الإلهي. بل هي بمثابة نبوءات أو دين جديد كما أشرت سابقا. وهنا تظهر أسئلة أخرى مهمة: ماذا لو كان الخلل في الأدوات والمناهج لا في الموضوع؟ وماذا لو كان الخلل في النيات لا في الأمر المطروح؟ وماذا لو أن الحقيقة لا تُصنع، بل تُطلب؟ ومن كان ومايزال وراء كل هذا الاختلال؟

وللحديث صلة.

عصام بيومي

[email protected]

عصام بيومي عصام بيومي [email protected] الجارديان المصرية