الخميس 19 فبراير 2026 11:50 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : مع رياحين رمضان (1).

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

عندما يأتي شهر رمضان من كل عام ، ينشط الناس في العبادة ، ويجدونه فرصة
ثمينة لإصلاح قلوبهم ، وتهذيب سلوكهم ، وإنقاذها من وحل الذنوب ، والمعاصى
، ومن أروع العبادات في هذا الشهر ، تدبر القرآن الكريم لأنه نزل في هذا الشهر المبارك ، بل نزل في أعظم ليلة فيه ألا هى"ليلة القدر"ففي هذه الليلة المباركة تتنزل الملائكة على الأرض فوجا فوجا ، فرحين بالصائمين القائمبن ، يقول تعالى"إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡر* وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡر*لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡر* تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡر*سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡر" فالقرآن الكريم ليس كتابا عاديا يقرأ ، ثم يوضع على الأرفف ، ليعلوه التراب ، بل هو العقد المبرم بين الناس ، وخالقهم ، وهو نقطة التقاء السماء بالأرض ، وهو بحر ممتلئ بالكنوز ، واللآلئ ، ويقود قارئه نحو حياة متقدمة ، ومتحضرة ، وينزعه من تخلف التقاليد الموروثة ، وترّهات المشعوذين ، وخيالات السّذج فاقدى العقل ، والبصيرة ، ولذا يجب قراءته بعناية شديدة ، كيفا لا كمّا ، ولذا
ستكون مقالاتى المتواضعة طوال هذا الشهر الكريم ، التحدث عن آية واحدة فقط ،
وهى قوله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبا" فهيا بنا سويا نتدبر هذه الآية الكريمة ، ونحلل كلماتها ، كلمة كلمة ، وجزءا جزءا ، ولنبدأ بقوله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاس"لقد خاطب الله الناس في هذا الجزء بأسلوب متحضر ، وبأرق الأساليب ، ولم يخاطبهم بازدراء ، ولا التحقير كمعاملة السيد لخادمه ، أو معاملة المدير لموظفيه بالرغم من ألوهيته ،وربوبيته لهم ، فتاداهم بقوله "يأَيُّهَا ٱلنَّاس "مستخدما أداة نداء ، وهى "يا"ومادام هناك أداة نداء في أي جملة ما ، إذن منطقيا سيكون هناك"منادى ، ومنادى عليهم ، ورسالة" فالمنادى هنا هو "الإله الخالق" والمنادى عليهم هم "الناس" والرسالة التي يريد الخالق أن يبلغها للناس هى قوله تعالى"اتقوا الله ..." يقول علماء اللغة العربية أن أداة النداء "يا"هى أشهر أدوات النداء ، وأكثرها استخداما ، ولذلك تمّ اختيارها بدقة بالغة ، وفصاحة رائعة ، حتى تكون مستساغة
لمسامع الناس ، كما أن هذه الأداة تفيد مدى قرب ،وحب ، ومكانة الناس لخالقهم ، وليس هذا فحسب بل زاد على أداة النداء أداة أخرى ، وهى "أيها" فقال "يأيها الناس" ليؤكد على تلك المعانى ، وينبههم لأهمية الرسالة التي سيبلغها لهم ، كما أنك إذا تمعّنت النظر فى لفظ "الناس" تجد أنها معرّفة "بأل" ولم يذكرها نكرة بقوله "يا ناس" لأن "أل التعريفية" تفيد التعظيم ، وعلو منزلتهم عنده ، كما أنها تشملهم جميعا ، ولم يستثنى منهم أحدا دون الآخرين ، ولم يفضل جنسا معينا ، ولا لونا مميزا ، ولم يحدد دينا معينا ، بل قال "يأيها الناس" ولم لا ، وهو
خالقهم ، ورازقهم ، وهو ربهم ؟ ! ويؤكد ذلك ما يراه جميع الناس رأى العين ، بأن الله قد وهب لهم جميعا "العقول ، وسائر أعضاء الجسد" كما أجرى لهم الأنهار ، والبحار ، وأشرق لهم الشمس كل صباح ، ليقوموا بشئون حياتهم ، وأسدل عليهم ستار الليل كى ترتاح أجسادهم من عناء العمل ، ومشاقه ، ووهب لهم نعما لا تعدّ ، ولا تحصى .. دقق النظر في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُون* يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَة لِّقَوْمٍ يتَفَكَّرُون* وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فى ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُون* وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون" هل لاحظت كم مرة تكررت لفظ "لكم" ؟ نعم هذه هي مكانتك عند خالقك ، فهل تأكدت ، وعرفت مكانتك عنده ؟ وهل رأيت تكريما مثل ذلكم التكريم ؟
وهل رأيت أسلوبا متحضّرا ، وراقيا من رب مثل هذا الأسلوب ؟ وهل شعرت ودّا مثل ذلكم الودّ ، والحب ؟ ! نعم ، إنه الله .. الإله الواحد الأحد .. ألا يكون للناكرين له حمرة الوجه خجلا ؟ !

زكريا سليمان مع رياحين رمضان (1). الجارديان المصرية