الخميس 19 فبراير 2026 11:51 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومي يكتب : ”التاريخانية” بين التنطع والتفلسف و”الاستخراب”!

الكاتب الكبير عصام بيومي
الكاتب الكبير عصام بيومي

قال رسولنا الكريم: "هلك المتنطعون". والتنطع هو التكلف والتشدد في غير موضعه أو الابتداع في الدين. وفي عهد عمر ظهر رجل من هؤلاء يقال له صبيغ بن عسل التميمي، كان مُمعِنا في إثارة الجدل حول المتشابه من القرآن، ولا يترك أحدا حتى يسأله ما النازعات وما الناشاطات وما الذاريات، وهكذا، ليس بغية العلم ولكن تنطعاً وابتداعاً. وباختصار، ظل يثير تلك الفتنة، حتى تمكن منه عمر فعذَّره تعذيرا شديدا.
ومثل هذا الصبيغ كثير من المفكرين المزعومين هذه الأيام الذين يمكن أن أسميهم أحفاد الصبيغ أو "الشحارير الجدد" (امتدادا لمحمد شحرور). لقد امتلأت الشاشات العربية ومواقع التواصل بأمثال هؤلاء الذين يزعمون أنهم يفهمون ما لم يفهمه أسيادهم من أئمة الفكر الإسلامي، وأنهم هم الذين سيأتون بالذئب من ذيله كما يقال! أردت أن أنوه بهذه المعاني قبل المضي قدما في الحديث عن أدعياء "التاريخانية" ومن يقف وراءهم، وهي النقطة التي انتهينا إليها في المقال السابق.

كان المتنطعون قديما في كل مكان وزمان. ولا أستبعد أن تحركهم كان وراءه المرجفون في المدينة وفي غيرها. لكن المتنطعين المعاصرين وأغلبهم من "الشحارير الجدد" لا يمكن أن يكون تحركهم انفراديا ولا عفويا. والمؤكد أن هناك جهة تقف وراءهم بالتخطيط والدعم والتوجيه. ولعلي أقرر هنا اعتقادي الصارم بأن ما تسمى التاريخانية تشكّلت داخل السياق الاستعماري (الاستخرابي) الأوروبي، والذي تشكل بدوره كنتاج للعقل اليهودي (انظر المسألة اليهودية لمالك بن نبي) والروح اليهودية اللذين سيطرا على أوروبا منذ القدم، كما شرحت في مقالات سابقة وفي كتابي "صناعة الكفر". ذلك السياق الاستخرابي كان من إفرازاته الخبيثة ما سُمي "الاستشراق" وهي عملية لم تكن في جانبها الأكبر بريئة بقدر ما استهدفت أمرين، الأول التعرف على تراث العلوم الإسلامية في كل المجالات لسرقة كل ما يمكن منها، والثاني تشويه الفكر الإسلامي ومعه العقل الجمعي الإسلامي الذي تم هدمه فعلا بهدم الخلافة عام 1924.
فما بدأ إرجافا واندساسا ودسا، يهوديا خلال قرون الإسلام الأولى، كما أوضحت في كتابي "عصور الظلام في الإسلام"، تحول استشراقاً لاحقا. وتسارع خلال القرنين ال12، وال13. ثم تخمر في رحم ما يسمى الفلسفة الغربية التي أسسها ووجهها وقادها أعداء الإنسانية. وترعرع خلال القرون التالية، وخاصة ال17 وال18، ليصبح الآن "تاريخانية". فالتاريخانية لم تولد من فراغ. لقد نشأت في أوروبا، في لحظة كانت فيها القارة، بقيادة القوى الصهيوماسونية، تعيد تعريف، أوبالأحرى قطع علاقتها بالدين، وبالكنيسة، وبالسلطة المعرفية العليا أو الوحي الإلهي. بعد تشويه اليهودية بتحريف التوراة واختراع التلمود، أصبح الصراع الداخلي حول التراث المسيحي هو المختبر الثاني الذي تبلورت فيه أدوات القراءة التاريخانية النقدية، بهدف هدم الدين المسيحي وتخريبه، بتفكيك السلطة اللاهوتية عبر النقد التاريخي. وهو ما بدأ بالتحقق على يد مارتن لوثر وجون كالفن، وأمثالهما. وقد سُمي إصلاحا، زورا وبهتانا. ثم أكمل المهمة من سموهم فلاسفة وما سُمي عصر التنوير. وبنفس الأدوات أراد أعداء الإنسانية هدم الإسلام أيضا. لكن ما إن خرجت تلك الأدوات من سياقها الأوروبي، واتجهت نحو القرآن حتى تراجعت فاعليتها.
فمع التوسع الاستعماري الأوروبي في القرنين 18 و19، لم تكن الجيوش العسكرية وحدها هي التي تتحرك. كانت تتحرك معها جيوش الجواسيس الساعين لسرقة المعرفة. ولذلك ظهرت دراسات اللغة، وتحليل البنى الفقهية وإعادة تصنيف التاريخ الإسلامي. وقد تحدث عن ذلك البروفيسور الأمريكي روي كاساجراندا كثيرا. وبيّن مفكرنا الفلسطيني العربي إدوارد سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد فضول علمي بريء، بل كان " نظاما أو بنية معرفية أعادت إنتاج الشرق بوصفه موضوعًا للفحص والسيطرة"،،، والتشويه العميق. يقول: لم يكن السؤال فقط: ماذا يقول الإسلام؟ بل: كيف يُعاد تعريفه ضمن شبكة مفاهيم أوروبية حديثة؟
ومثلما فعلوا مع المسيحية وفككوا الإنجيل بوصفه مواد تاريخية قابلة للتفكيك لا بوصفه مصدرا مرجعيا معياريا حيا- لأنهم يعلمون أن أسلافهم كتبوه بأيديهم- حاولوا أن يطبقوا النهج نفسه على القرآن، لتحويله من نص إلهي إلى أثر تاريخي. حتى يصبح معنى النص محصورًا في لحظة نزوله، لا يتجاوزها. هنا ظهرت أدوات التاريخانية كثمرة لمشروع الاستشراق. فما بدأ، زعما، أداة لفهم السياق الديني الأوروبي، أصبح وسيلة لتأطير الإسلام داخل نموذج تطور تاريخي شبيه بالتجربة المسيحية الأوروبية.
وفيما يمكن اعتباره اعترافا أو تأكيدا غير مباشر لهذه الفكرة، يقول طلال أسد، (ومازال حيا يرزق) إن مفاهيم مثل "الدين" و"العلمانية" نفسها تشكّلت داخل تاريخ أوروبي محدد، ثم عُمِّمت عالميًا. وتأكيدا لوقوف الاستعمار وراء الاستشراق، تحضر مقولة ميشيل فوكو، أن "المعرفة لا تُنتج خارج شبكات السلطة." بهذا المعنى، لم يكن الاستشراق مجرد بحث أكاديمي، بل عملية تأسيسية لإعادة صياغة الإسلام- وفكرة الدين بصفة عامة- ضمن منظومة مفاهيمية حديثة، تستهدف تخريبه كما تم تخريب التوراة والإنجيل من قبل.
ومع وصول التاريخانية إلى عالمنا العربي الإسلامي صارت الحرب على الدين من الداخل. فقد بدأ مفكرون مسلمون مفترضون يتبنّون الأدوات الغربية كاملة. والتاريخانية كانت الأداة الأكثر فاعلية في هذه العملية. والهدف من ذلك أن تنتقل سلطة التأويل تدريجيًا من المراجع التقليدية إلى النموذج الحداثي. حتى تحول الأمر الآن إلى صراع عميق حول من يملك حق تعريف الإسلام.. الأقدمون أم المحدثون!

لم يكن الاستشراق هواية أو تطوعا، ولكن كان مسارا تراكميا موجها. والتاريخانية، في صيغتها المطبقة على الإسلام، لم تكن سوى الامتداد الطبيعي لذلك المسار. كان الاستشراق جزءا من المشروع الاستعماري، أو بالأحرى الاستخرابي. كان حربا حاولوا أن يضفوا عليها الطابع الأكاديمي البحثي. وخصصوا لها أسماء كبرى مثل إغناتيوس غولدتسيهر وكتابه Muhammedanische Studien، ومعناه الدراسات الإسلامية، وجوزيف شاخت وكتابه The Origins of Muhammadan Jurisprudence ، (أصول الفقه الإسلامي)، وتيودور نولدكه في كتابه Geschichte des Qorans، (تاريخ القرآن)، وكلهم حاولوا تطبيق التأريخانية على القرآن والفقه الإسلامي، والإيحاء بأن النصوص الإسلامية موضوعات تاريخية قابلة لإعادة النظر والبناء. ومع المدرسة الألمانية الفيلولوجية، (مدرسة فقه اللغات) المتأثرة بالمنهج النقدي في دراسة الإنجيل لم يعد السؤال: ماذا يقول النص؟ بل أصبح: كيف تشكّل النص؟ مع الزعم بأنه نتاج صراعات اجتماعية وسياسية. وبهذا، لم يعد التاريخ أداة مساعدة للفهم، بل أصبح الإطار الحاكم له. وهنا تبلورت التاريخانية بوصفها منطقًا تفسيرياً كاملاً، أدى بحسب د. عبدالوهاب المسيري، إلى تقويض أو تضييع المعنى وإلى فوضى أخلاقية في أوروبا، حيث تم تجاهل مكانة النص المقدس وقدرته العابرة للأزمان على توليد المعاني.

هنا نصل إلى سؤال مهم وضروري، عسانا نجد مبررا للشحارير الجدد: هل هناك حدود للعقل أو لطلب العلم؟ بمعنى آخر، هل هناك ضرورة لتحديد وجهة العلم والبحث؟ وهنا يقودنا البحث إلى ما يسمى "العلم النافع"، وهذا ما نبه إليه القرآن الكريم عندما نهى المؤمنين عن السؤال عن أشياء حتى لا تسوءهم، ونبه إليه الرسول الكريم منذ البداية عندما نهى الصحابة عن التفكير في ذات الله وحثهم على التفكير في كونه ومخلوقاته. وكذلك أثبته كثيرون من علماء الأمة الحقيقيين ومنهم الغزالي المعاصر في كتابه "من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث" وأيضا في "قذائف الحق". وللحديث صلة.


[email protected]

عصام بيومي ”التاريخانية” بين التنطع والتفلسف و”الاستخراب”! الجارديان المصرية