الأربعاء 1 أبريل 2026 03:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومى يكتب : حرب بلا نهاية: بين الوحي الصادق والفلسفة المتهافتة

الكاتب الكبير عصام بيومى
الكاتب الكبير عصام بيومى

تحدثت مرارا قبل ذلك عن أننا نحن البشر نواجه حربا أبدية، يشنها علينا أعداء الإنسانية. كان ذلك من منظور سياسي بحت. اليوم أعيد طرح الموضوع من ناحية عسكرية عقدية في ضوء الحرب الجارية الآن.

منذ أن صاغ الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز عبارته الشهيرة "الحرب استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى"، بدا وكأنه وضع الحرب في موقع التابع: أداة تُستدعى حين تعجز السياسة. غير أنني أزعم، وقد درست مساق "أسباب الحرب" ، بوصفها وجه مهم من وجوه العلاقات الدولية، أن التجربة الإنسانية، قديمها وحديثها، توحي بعكس ذلك. فالحرب ليست طارئًا على السياسة، بل هما صنوان متضافران، أو وجهان لعملة واحدة ، لا يغيب أحدهما حتى يحضر الآخر في صراع قدّر الخالق الحكيم له الاستمرار حتى يرث الأرض ومن عليها. "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض."
ليست المشكلة في أن البشر يلجؤون إلى الحرب، بل في أنهم لا يستطيعون الفكاك منها تمامًا. فالصراع ليس حادثًا عرضيًا في التاريخ، بل هو مكوّن أصيل في بنية الاجتماع البشري. تتبدل أشكاله، فيخفت حينًا ويستعر حينًا، لكنه لا يختفي. وما نسميه "سلمًا" أو سياسة ليس في كثير من الأحيان سوى هدنة مُقنّعة: حرب بوسائل باردة، تُخاض في الأسواق بدل الميادين، وفي الإعلام بدل المدافع، وأكثره في الغرف المظلمة.
. هكذا كان الصراع منذ غوى إبليس آدم وحواء، ومنذ قتل قابيل هابيل ، وما يزال.
من هنا يمكن فهم الحرب ليس كخيار مستبعد، ولكن كاحتمال قائم ودائم؛ وهو في المنظور الإسلامي احتمال لا يُراد، لكنه يُستدعى عند الضرورة. أما في المنظور البشري الذي يسمى الفلسفة فبالعكس، الحرب هي الرغبة الدائمة والوسيلة المرغوبة لتحقيق الأطماع.
وهنا يبرز الاختلاف بين الوحي الصادق والفلسفة الشيطانية، وخاصة عند البحث عن سبل ضبط وكبح الحروب.
هنا تبرز المقاربة الإسلامية بوصفها إجابة واقعية. فهي لا تنكر الصراع، ولا تُنكر قابلية الإنسان للعنف انطلاقا من نفسه المجبولة على الشر ، الأمّارة بالسوء، لكنها ترفض تحويل هذه القابلية إلى مشروع دائم. لذلك جاء التوجيه واضحًا: "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة..."، لا بوصفه دعوة للقتال، بل بوصفه اعترافًا بأن الضعف يُغري، وأن غياب القوة لا يصنع سلامًا بل يستدعي العدوان.
الاستعداد هنا ليس تمهيدًا للحرب، بل أداة لمنعها، أو إبعاد شرها قدر الإمكان. فالقوة الرادعة تُبقي الحرب في حيّز الإمكان، لا في حيّز التفضيل.

وفي المقابل، يضع النص القرآني حدًا أخلاقيًا صارمًا: "فإن قاتلوكم فاقتلوهم...". القتال لا يُشرعن إلا كردّ، لا كمبادرة. أي أن الإسلام، في جوهر هذه المعادلة، يعترف بحتمية الصراع، لكنه يقاوم تحويل هذه الحتمية إلى عدوان استباقي. وفي هذا رد على كل المجرمين الذين زعموا انتشار الإسلام بالسيف. عندما حارب المسلمون الفرس قديما لم يكن ذلك لأن كسرى رفض الإسلام ولكن لأنه قتل مبعوث رسول الله. والرسل لا تُقتل.
وهكذا تكون المعادلة الصحيحة عند المؤمنين: القوةٌ تُجهز دائمًا، كما أمر الخالق لكنها لا تُستخدم إلا للضرورة. والحربٌ محتملة دائما، لكنها ليست مرغوبة.

هنا يتضح أكثر الفارق الجوهري بين الرؤية الكلاوزفيتزية وهذه المقاربة الإيمانية الإسلامية: عند كلاوزفيتز، السياسة (الجشع والطمع والطغيان) هي التي تُقرر متى تُستخدم الحرب. أما في ميزان الإسلام فثمة قيد أعلى من السياسة: قيد أخلاقي يحدّ من اندفاع القوة، ويمنع تحوّل الاستعداد إلى افتراس، والمجتمع الآمن إلى غابة.

هنا يكون الهدف ليس إلغاء الحرب من العالم، بل محاولة تطويقها، لحصرها داخل حدود الضرورة، ومنع انفلاتها باسم المصلحة أو التفوق. فذلك قدر محتوم، في ظل وجود شياطين الإنس الذين جعلوا تجارتهم في الحياة إشعال الحروب والتربح منها .. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله.

من هنا، لا يكون السلام نتيجة حسن النوايا، بل نتيجة توازن دقيق بين القدرة والضبط. فالعالم لا تحكمه الأخلاق وحدها، ولا القوة وحدها، بل صراع دائم بينهما. فاعداء الإنسانية في حرب دائمة ضد البشر، لا تتوقف إلا عن عجز، لتغير شكلها وأدواتها ومنفذيها عند الحاجة
هنا نفهم سبب تردد ترامب وتناقضاته عند الحديث عن مبررات الحرب، لأنه لا يستطيع أن يكشف صراحة أن السبب هو أنها جزء من عملية إعادة الضبط العالمي الكبرى التي تهدف كما ذكرت سابقا إلى إكمال بناء حكومة الدجال، التي لا يعدو أن يكون فيها سوى بيدق صغير هو ورفيقه شيطانياهو.
هذا التوتر هو ما يجعل الحرب لا تنتهي… قد تتغير وجوهها، ومفرداتها ومنفذوها. ولكنها تتواصل بنفس الأشخاص أو بغيرهم. وهنا مثالان واضحان. شيطان ياهو وترمب... عنصران ناشطان في تنفيذ مشروع الدجال الكبير على مدى نحو أربعة عقود الآن بشكل منظم ومنتظم. المشكلة فقط أن أغلب الناس المشغولين بلقمة العيش ، وفق خطة الدجال، لا يستطيعون الربط بين الأحداث والتصريحات. جرائم شيطانياهو في هذا الصدد معروفة لا تحتاج لتوضيح. أما ترمب فله تصريحات في أزمنة متفرقة سابقة تدل على أنه جزء من هذا المشروع الشيطاني وأن هذه الحرب مخطط لها وتنفذ منذ عقود، لأن فلسفة هؤلاء هي الحرب من أجل الحرب. لكن عندما تظهر تلك التصريحات القديمة لا يفهم المتابعون وكثير من "المثقفين" أن ذلك الترمب الإبستيني كان يُعد منذ تلك السنوات البعيدة لكي يلعب الدور الذي يلعبه الآن، في الحرب التي سميتها سابقا الحرب الأبدية.

[email protected]

عصام بيومى حرب بلا نهاية: بين الوحي الصادق والفلسفة المتهافت الجارديان المصريه