الإثنين 13 أبريل 2026 05:43 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاتة زكريا يكتب : ما بين الواقع والتوقع… تتسع الفجوة

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

في لحظات التحول الكبرى لا تكون الأزمة فيما يحدث بقدر ما تكون في كيفية فهمه. فبين الواقع كما هو والتوقع كما نرغب أن يكون تتشكل فجوة خفية تتسع يوما بعد يوم حتى تصبح هي الحاكم الحقيقي لمسار الأحداث. وفي عالم اليوم لم تعد هذه الفجوة مجرد مساحة ذهنية بل تحولت إلى عامل مؤثر في صناعة القرار وتوجيه الرأي العام وإعادة تشكيل ملامح القوة.. هذه الفجوة في جوهرها ليست وليدة اللحظة لكنها اليوم أكثر وضوحًا وخطورة. فالتوقعات لم تعد تُبنى على معطيات صلبة فقط بل على تصورات وانطباعات وسرديات تتشكل بسرعة تفوق قدرة الواقع على مجاراتها. وهنا يصبح الإدراك نفسه جزءًا من الأزمة، لا مجرد أداة لفهمها.. وفي قلب هذا المشهد المعقد تبرز إيران كنموذج يعكس هذا التباين بوضوح. فالدولة التي تتعرض لضغوط متعددة سياسية واقتصادية وأمنية تتحرك في مساحة دقيقة تحاول من خلالها إدارة واقع معقد في ظل توقعات متباينة بعضها داخلي وبعضها خارجي وبعضها مفروض عليها أكثر مما هو نابع منها.. ما يُتوقع من إيران ليس دائما ما تعيشه فعليا وما تقوم به على الأرض لا يُفهم دائما في سياقه الصحيح. وبين هذا وذاك تتسع الفجوة. فهناك من يرى في تحركاتها تصعيدا بينما قد تراها هي إعادة تموضع. وهناك من يفسر سلوكها باعتباره تحديًا مباشرا بينما قد يكون في حقيقته محاولة لخلق توازن أو تفادي صدام أكبر.

هذا التباين في الفهم لا يأتي من فراغ بل هو نتاج بيئة دولية مضطربة تتداخل فيها المصالح وتتشابك فيها الروايات. وفي مثل هذه البيئة لا يكون الواقع كافيا لتشكيل الصورة بل تُضاف إليه طبقات من التوقعات.التي قد تكون أحيانًا أقوى تأثيرا من الوقائع نفسها.. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي كعامل جديد في هذه المعادلة. لم يعد مجرد أداة تقنية بل أصبح جزءا من آلية التفكير الاستراتيجي. يُستخدم في تحليل البيانات ورصد الأنماط واستشراف السيناريوهات وتقديم تصورات لما قد يحدث. لكنه في الوقت ذاته يسهم بشكل غير مباشر في توسيع الفجوة بين الواقع والتوقع.

كيف ذلك؟ لأن الذكاء الاصطناعي رغم دقته يعمل ضمن إطار من البيانات المتاحة والتي قد لا تعكس الصورة الكاملة. فهو يتنبأ بناء على ما يعرفه لا على كل ما هو موجود. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه المعطيات بشكل لحظي قد تتحول التوقعات حتى وإن كانت مبنية على تحليل متقدم إلى عبء إذا لم تراجع باستمرار.. وفي الحالة الإيرانية يبدو هذا التداخل واضحا. فهناك قراءة دولية تعتمد على نماذج تحليلية متقدمة تتوقع سلوكا معينا وهناك واقع ميداني قد يسير في اتجاه مختلف. وبين الاثنين تتشكل فجوة قد تؤدي إلى سوء تقدير أو إلى قرارات مبنية على افتراضات غير مكتملة..لكن الأمر لا يتوقف عند حدود التحليل والتوقع بل يمتد إلى كيفية إدارة الصورة. فالعالم اليوم لا يتعامل فقط مع ما يحدث بل مع كيف يُعرض ما يحدث. والإعلام بكل أشكاله يلعب دورا حاسما في تشكيل التوقعات وفي تضخيم بعض الوقائع.وتجاهل أخرى. وهنا تصبح الفجوة أوسع لأن ما يُبنى عليه الفهم ليس دائمًا هو الواقع بل النسخة المقدمة منه.. إيران في هذا السياق تبدو واعية لهذه المعادلة. فهي لا تتحرك فقط وفقًا لحسابات الواقع بل أيضا وفقا لتأثير التوقعات. تدرك أن ما يتوقع منها قد يكون جزءا من أدوات الضغط عليها، أو من محاولات توجيه سلوكها. ومن هنا تسعى أحيانا إلى كسر هذه التوقعات أو إلى إعادة تشكيلها عبر تحركات غير تقليدية أو عبر رسائل غير مباشرة.
لكن هذا النهج رغم ما يوفره من مرونة يحمل في طياته مخاطر. فكلما اتسعت الفجوة بين الواقع والتوقع زادت احتمالات سوء الفهم وارتفعت درجة التوتر وازدادت صعوبة التنبؤ بالنتائج. وفي بيئة مشحونة قد يكون خطأ صغير في التقدير كافيا لإشعال سلسلة من التفاعلات التي يصعب احتواؤها.. من هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس في تقليل الفجوة فقط بل في إدارتها. في القدرة على بناء توقعات أكثر واقعية وعلى قراءة الوقائع بعمق وعلى استخدام أدوات التحليل بما فيها الذكاء الاصطناعي بشكل متوازن لا يجعل منها بديلا عن الفهم البشري بل مكملا له. وفي النهاية لا يمكن إنكار أن الفجوة بين الواقع والتوقع ستظل قائمة لأنها جزء من طبيعة التفكير الإنساني ومن تعقيد العالم. لكن ما يمكن التحكم فيه هو حجم هذه الفجوة وتأثيرها وطريقة التعامل معها.. ما بين الواقع كما هو، والتوقع كما نريده تتحدد مسارات كثيرة. وإذا لم نُحسن قراءة المسافة بينهما فقد نجد أنفسنا نتعامل مع عالم لا يشبه ما تصورناه ولا يستجيب لما توقعناه.. وفي زمن كهذا… لا يكفي أن نرصد الواقع، ولا أن نبني التوقعات. بل يجب أن نُدرك بوعي عميق أن الحقيقة غالبا ما تقف في تلك المساحة الصامتة بينهما.

شحاتة زكريا ما بين الواقع والتوقع… تتسع الفجوة الجارديان المصريه