الخميس 16 أبريل 2026 10:53 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : حين نُحسن رؤية الواقع… تبدأ معركة الإصلاح

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

ليست الأزمة في واقعنا كما يظن البعض، وليست الكارثة في حجم التحديات التي نعيشها، فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُقاس بقلة أزماتها، بل بقدرتها على مواجهتها. إنما الكارثة الحقيقية تكمن في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا الواقع؛ في تلك المساحة الرمادية بين الاعتراف والإنكار، بين الصدق والتجميل، بين المواجهة والهروب.
نحن لا نعيش زمن انهيار… بل نعيش زمن اختبار. اختبار للضمائر قبل العقول، وللإرادة قبل الإمكانيات. فكم من أمة مرت بظروف أشد قسوة، لكنها خرجت منها أكثر قوة وصلابة لأنها امتلكت شجاعة الاعتراف بعيوبها، وجرأة إصلاحها دون مواربة أو تجميل.
لكننا، وللأسف، وقعنا في فخ خطير؛ فخ “التبرير المستمر”. أصبحنا نُبرر الأخطاء بدلًا من تصحيحها، ونُجمّل القصور بدلًا من مواجهته، ونصمت على الفشل وكأنه قدر لا يُرد. بل الأخطر من ذلك أننا بدأنا نهاجم كل صوت يحاول أن يُشير إلى الخلل، وكأن النقد خيانة، وكأن الصمت هو الوطنية الحقيقية.
أي وطن هذا الذي يخاف من كلمة حق؟ وأي قوة تلك التي ترتعد من رأي صادق؟ إن الأوطان لا تُحمى بالسكوت، ولا تُبنى بالمجاملات، ولا تنهض إلا حين يكون فيها من يملك الشجاعة ليقول: “هنا خطأ… ويجب أن يُصحح”.
إننا نعيش حالة من التناقض المؤلم؛ نرفض الفساد نظريًا، لكننا نتعايش معه عمليًا. نلعن الواسطة في العلن، ثم نبحث عنها في الخفاء. نطالب بالعدالة، لكننا نقبل بالظلم حين يخدم مصالحنا. وهذا التناقض ليس مجرد سلوك فردي، بل هو مرض مجتمعي إذا لم نواجهه بصدق، سيتحول إلى ثقافة تُدمر كل محاولات الإصلاح.
وإذا أردنا أن نكون أكثر صراحة، فعلينا أن نعترف بأن جزءًا من الأزمة ليس في المؤسسات فقط، بل فينا نحن أيضًا. في طريقة تفكيرنا، في أولوياتنا، في استعدادنا للتنازل عن القيم مقابل مكاسب صغيرة زائلة. فالإصلاح لا يبدأ من القمة فقط، بل يبدأ من القاعدة، من الفرد، من كل إنسان يقرر أن يكون صادقًا مع نفسه قبل أن يكون صادقًا مع الآخرين.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو “التطبيع مع الخطأ”، أن يصبح الفساد أمرًا عاديًا، وأن يتحول الفشل إلى مشهد مألوف، وأن نفقد قدرتنا على الغضب تجاه ما لا يجب أن يُقبل. حينها فقط، نكون قد دخلنا مرحلة الخطر الحقيقي، لأن الشعوب لا تنهار حين تُخطئ، بل تنهار حين تعتاد الخطأ.
ولا يمكن أن نتحدث عن الإصلاح دون أن نتحدث عن الكفاءة، تلك الكلمة التي غابت كثيرًا عن مواقعها الصحيحة. فكم من صاحب علم وخبرة تم تهميشه، وكم من غير مؤهل صعد لأنه يجيد فن “الاقتراب من أصحاب القرار”. هذه المعادلة المختلة لا يمكن أن تُنتج إلا مزيدًا من الفشل، لأن الأوطان لا تُدار بالمجاملات، بل تُدار بالكفاءات.
ولعل من أخطر ما نواجهه أيضًا هو فقدان الثقة؛ الثقة بين المواطن والمسؤول، بين الفرد والمؤسسة، بين الحلم والواقع. هذه الثقة إذا انهارت، يصبح البناء مستحيلًا، لأن أي نهضة تحتاج إلى أرض صلبة من الثقة المتبادلة. ولا تُبنى هذه الثقة بالكلمات، بل بالأفعال، بالشفافية، بالعدالة، وبإعطاء كل ذي حق حقه.
إن النقد الإيجابي الذي ندعو إليه ليس رفاهية فكرية، ولا ترفًا إعلاميًا، بل هو صمام أمان لأي مجتمع يريد أن يبقى حيًا. فالنقد ليس هدمًا، بل هو عملية بناء تبدأ بإزالة الخلل. وليس عداءً، بل هو أعلى درجات الانتماء، لأن من يحب وطنه لا يجامل في حقه، ولا يصمت على ما يضره.
نحن بحاجة إلى ثورة وعي… لا ثورة هدم. بحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم كثيرة اختلطت علينا؛ أن نفهم أن الوطنية ليست تصفيقًا دائمًا، بل موقفًا صادقًا. وأن الانتماء ليس كلمات تُقال، بل أفعال تُثبت. وأن القوة ليست في إخفاء العيوب، بل في القدرة على علاجها.
كما أننا بحاجة إلى إعلام صادق، لا يُخدر الناس بالإنجازات الوهمية، ولا يُضخم الإخفاقات لدرجة اليأس، بل يُقدم صورة متوازنة تعكس الحقيقة كما هي، وتفتح باب الأمل دون خداع. فالإعلام إما أن يكون شريكًا في الإصلاح، أو أداة في تكريس الخطأ.
ولا بد أن نُعيد النظر في منظومة القيم التي تحكمنا؛ قيم العمل، والإتقان، والصدق، والعدل. فهذه ليست شعارات، بل هي الأساس الحقيقي لأي نهضة. وإذا لم تُترجم هذه القيم إلى سلوك يومي، فستظل مجرد كلمات لا وزن لها.
ورغم كل ما سبق، فإن الأمل لا يزال حاضرًا بقوة. لأن هذا الوطن لم يكن يومًا أرضًا للعجز، بل أرضًا للقدرة على النهوض مهما اشتدت الأزمات. لدينا عقول قادرة على الإبداع، وشباب يملك طاقة هائلة، وتاريخ يشهد أننا حين نُريد… نفعل.
لكن الإرادة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى طريق واضح، وإلى بيئة عادلة، وإلى قيادة تُدرك أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، لا في الحجر فقط. وأن بناء العقول لا يقل أهمية عن بناء الطرق والجسور.
إن اللحظة التي نعيشها الآن ليست نهاية الطريق، بل بدايته. بداية مرحلة تتطلب منا أن نكون أكثر صدقًا، أكثر وعيًا، أكثر شجاعة. أن نُدرك أن الوطن ليس مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية الجميع.
وفي النهاية، علينا أن نُوقن أن النجاة لا تأتي من إنكار الواقع، ولا من الهروب منه، بل من مواجهته بكل شجاعة. وأن الإصلاح ليس قرارًا يُتخذ، بل مسار طويل يحتاج إلى صبر، وإخلاص، وإرادة لا تنكسر.
فإما أن نختار أن نرى الحقيقة كما هي… ونعمل على تغييرها،
وإما أن نستمر في خداع أنفسنا… حتى نجد أنفسنا أمام واقع لا يمكن تغييره.

حسين السمنودى حين نُحسن رؤية الواقع… تبدأ معركة الإصلاح الجارديان المصريه