الجمعة 17 أبريل 2026 06:14 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

نفحاتُ الجمعة :ونظرات في صراعِ الأقطاب ،ومخاضِ الأمة

الدكتور عيد كامل حافظ النوقي يكتب : هل تعيدُ الحربُ الدائرةُ بين أمريكا،وإيران تشكيلَ الشرق الأوسط وتمهّدُ لوحدة الأمة ”. ”دراسة بحثية منهجية ”

الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

مقدمة:
في كلِّ مرحلةٍ تاريخيةٍ كبرى تمرُّ بها الأمة الإسلامية، تلوح في الأفق أحداثٌ جسامٌ تُعيد ترتيب الموازين، وتكشف خفايا التحالفات، وتُسقط الأقنعة عن مشاريع الهيمنة العالمية،وما يشهده الشرق الأوسط اليوم من تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران، وتحول المواجهة من حربٍ باردةٍ إلى صداماتٍ مباشرةٍ، وغير مباشرة، ليس مجرد نزاعٍ عابر، بل هو جزءٌ من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وربما النظام الدولي كله.
تشير تحليلات سياسية معاصرة إلى أن الصراع الراهن تجاوز حدود الردع التقليدي، وأصبح مرشحًا لإعادة رسم خرائط النفوذ، والطاقة، والتحالفات في المنطقة.
كما أن المؤسسات الاقتصادية الدولية بدأت ترصد آثار هذا الصراع على استقرار الشرق الأوسط بأسره، بما يفتح الباب أمام تحولات استراتيجية أعمق.
ومن هنا يبرز السؤال الأخطر:
هل نحن أمام بداية مخاضٍ تاريخيٍّ كبير يسبق فتنًا أوسع، أم أمام فرصةٍ ربانيةٍ لإيقاظ الأمة، وتوحيدها بعد طول فرقة؟.
المحور الأول: الصراع الحالي ليس حربًا عسكرية فقط بل صراع مشاريع:
أولًا: المشروع الأمريكي:
الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره:
قلب الطاقة العالمي
معبر التجارة البحرية الدولية
خط الدفاع الأول عن مصالحها الاستراتيجية
حاجزًا أمام صعود القوى المنافسة
ولهذا فإن واشنطن لا ترى في إيران مجرد دولة، بل مشروعًا إقليميًا ينازعها النفوذ.
قال الله تعالى:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾،[البقرة: 120).
قال ابن كثير في تفسيره : "أي لا يزالون يخالفونك حتى تترك ما أنت عليه."
فالصراع في جوهره ليس على حدود فقط، بل على:
الهوية
القرار
القيادة
مستقبل المنطقة
ثانيًا: المشروع الإيراني:
إيران بدورها تسعى إلى:
توسيع نفوذها الإقليمي
فرض نفسها قوة لا يمكن تجاوزها
استثمار الفراغ العربي
وهذا جعلها لاعبًا رئيسيًا في:
العراق
سوريا
لبنان
اليمن
الخليج
وأصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة بين: الهيمنة الأمريكية و التمدد الإيراني
المحور الثاني: احتمالات إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط:
الصراع الراهن قد يفضي إلى عدة سيناريوهات:
السيناريو الأول: تقسيم النفوذ
قد تُعاد المنطقة إلى مناطق نفوذ:
نفوذ أمريكي مباشر
نفوذ إيراني غير مباشر
نفوذ إسرائيلي متصاعد
حضور روسي، وصيني متزايد
وهذا يعيد إنتاج اتفاقيات شبيهة بـ: سايكس بيكو جديدة لكن بثوب حديث.
السيناريو الثاني: انهيار بعض الأنظمة الهشة:
الحروب الكبرى تُسقط الأنظمة الضعيفة سياسيًا، واقتصاديًا.
وقد نشهد:
اضطرابات داخلية
ثورات شعبية
تحولات سياسية مفاجئة.
إعادة بناء نظم جديدة.
وقد حذرت تقارير استراتيجية من أن استمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي بصورة غير مسبوقة.
السيناريو الثالث: ولادة نظام إقليمي جديد
قد تنشأ تحالفات جديدة قائمة على:
الأمن الجماعي
الاقتصاد المشترك
استقلال القرار
التحرر من التبعية
وهنا يظهر سؤال الأمة: هل ستكون الأمة جزءًا من الحل أم مجرد ضحية جديدة؟
المحور الثالث: هل هذه من مقدمات الفتن الكبرى؟:
ورد في السنة النبوية:
قال ﷺ:
"تكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم..."
رواه أبو داود
والنبي ﷺ أخبر عن:
اضطراب الأحوال
كثرة القتل
تغير الموازين
تقارب الزمان
اختلاط الحق بالباطل
والواقع الحالي يحمل بعض سمات ذلك:
من العلامات المشابهة:
حروب متلاحقة
تحالفات متبدلة
سقوط الثوابت
انقسام المسلمين
تصاعد الاستقطاب العالمي
لكن الواجب: الحذر من الجزم فلا يجوز تنزيل الأحاديث على الواقع بلا علم.
قال الإمام النووي: "الواجب التثبت ،وعدم التسرع في تنزيل النصوص على الوقائع."
المحور الرابع: هل يمكن أن تكون هذه بداية صحوة الأمة؟:
رغم الألم، قد يكون في المحنة منحة.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تصنع:
وعيًا جديدًا
مراجعات عميقة
سقوط الأوهام
وحدة بعد التشتت
مؤشرات الصحوة المحتملة:
1) انكشاف المشاريع الخارجية:
الأمة بدأت تدرك: أن القوى الكبرى لا تتحرك لخير الشعوب، بل لمصالحها.
2)سقوط الشعارات الزائفة:
كثير من الأقنعة السياسية بدأت تسقط.
3) البحث عن مشروع جامع:_
الشعوب باتت تبحث عن:
العدل
الكرامة
الاستقلال
الوحدة
المحور الخامس: كيف يمكن للأمة أن تتحول من الفرقة إلى المشروع الواحد؟:
الصحوة لا تأتي بالعاطفة فقط، بل تحتاج:
أولًا: تجاوز الانقسام المذهبي:
أخطر ما يهدد الأمة:
صراع السنة، والشيعة
الصراعات القومية
الولاءات الحزبية
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
ثانيًا: بناء مشروع حضاري جامع
ألأمة تحتاج إلى مشروع يقوم على:
العقيدة
العلم
الاقتصاد
القوة
الأخلاق
التحرر السياسي
ثالثًا: صناعة وعي شعبي:
فلا نهضة بدون:
وعي
بصيرة
إدراك للمخاطر
فهم للسنن
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾،[ الرعد: 11].
المحور السادس: دور الأمة في المرحلة القادمة:
الأمة مطالبة اليوم بـ:
1)الوعي لا الانفعال:
التمييز بين:
الحقيقة، والدعاية
المشروع، والخديعة
المقاومة، والتوظيف السياسي
2) الوحدة لا التشرذم:
فالأعداء لا يخشون العدد بل يخشون: اجتماع الكلمة.
3) الإصلاح الداخلي:
لا يمكن للأمة أن تواجه الخارج ،وهي ممزقة داخليًا.
4.)إعداد جيل جديد:
جيل:
واعٍ
مؤمن
مثقف
قوي
يحمل مشروع نهضة.
المحور السابع: هل يمكن أن تكون الأزمات مقدمة للخلافة الراشدة؟:
ورد في الحديث:
"ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"
وهذا يفتح باب الأمل: أن الأمة مهما ضعفت فإنها قد تعود.
لكن العودة تحتاج:
توبة صادقة
إصلاح شامل
وحدة صادقة
قيادة ربانية
مشروع حضاري واضح
وليس مجرد أمنيات.
الخاتمة:
ما يجري اليوم بين أمريكا ،وإيران ليس مجرد نزاع سياسي عابر، بل قد يكون إحدى المحطات الكبرى التي تعيد تشكيل الشرق الأوسط كله.
وقد تكون هذه الأحداث:
إما بداية فتن أكبر
أو بداية صحوة أعظم
أو مخاضًا عسيرًا لولادة مرحلة جديدة
والفرق بين الاحتمالين تصنعه الأمة نفسها.
فإن بقيت:
غارقة في خلافاتها
أسيرة انقساماتها
تابعة لغيرها
ضاعت الفرصة.
أما إن أدركت الرسالة، فقد تتحول المحنة إلى:
بداية نهضة
وبداية وحدة
وبداية مشروع أمة جديد
المراجع العربية:
١)القرآن الكريم
٢)صحيح مسلم
٣)سنن أبي داود
٤)ابن كثير — تفسير القرآن العظيم
٥)النووي — شرح صحيح مسلم
٦)سيد قطب — في ظلال القرآن
٧)تقارير مجلس العلاقات الخارجية حول صراعات الشرق الأوسط .
٨)تحليلات خبراء الشؤون الإقليمية حول الحرب الأمريكية الإيرانية .
٩)تقارير اقتصادية عن آثار الحرب على المنطقة .

الدكتور عيد كامل حافظ النوقي هل تعيدُ الحربُ الدائرةُ بين أمريكا وإيران تشكيلَ الشرق الأوسط وتمهّدُ لوحدة الأمة ”. ”دراسة بحثية منهجية ” الجارديان المصريه