الجمعة 17 أبريل 2026 08:24 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د بهاء درويش يكتب : من ذكريات البدايات

د.بهاء درويش
د.بهاء درويش

كان أكثر ما يقلقه في بداياته المهنية أن يُوضَع في موضعٍ يعلم تمامًا أنه موضع الكبار، فيخشى أن يفشل لقلة خبرته الأكاديمية أو المهنية أو الإدارية. ولكنه بحمد الله كان يأخذ هذه الأمور كتحدٍ لنفسه أولًا ليثبت أنه يستطيع أن ينجح. سأحكي اليوم تحديين واجهاه في فترة البدايات، وأخذ الأمرين مأخذ التحدي، وأغلب ظنه أنه نجح فيهما.
حصل كاتبنا على درجة الدكتوراة عام 1994، وبعدها بعامين فقط اختاره الدكتور حسن حنفي، أو طلب منه أن يرشح نفسه كعضو مجلس إدارة الجمعية الفلسفية المصرية، رغم أنه في ذلك الوقت كان هناك أساتذة كبار لم يتمكنوا من الحصول على هذا المكان. قال له الدكتور حسن حنفي: "أنت نشيط، وتستطيع أن تفيد الجمعية الفلسفية، لذلك سوف نقوم في حملتنا الانتخابية بالدعاية الكافية لك حتى تنجح"، وهو ما حدث.
وبعد أن أصبح عضوًا بمجلس الإدارة، كان يخشى أن يرى الأعضاء الآخرون أن المكان أكبر منه، ولا يوجد ما يستطيع أن يقدمه للجمعية كعضو بمجلس إدارتها، فأخذ يبحث عما يمكنه أن يقدمه حتى يبرهن للآخرين ولنفسه أنه يستحق هذه المكانة.
نعود إلى الوراء قليلًا، فبعد أن حصل على الدكتوراة عام 1994 كما أشرنا سابقًا، كان حلم حياته أن يرى رسالته منشورة في كتاب معروض في نوافذ المكتبات. عبّر عن هذه الرغبة وهذا الأمل في الأوساط الأسرية، فإذا بأخيه -عليه رحمة الله- يقول له: هل تعرف منشأة المعارف؟
قال له كاتبنا: بالطبع، هذه دار نشر معروفة جيدًا.
قال له: صاحب هذه الدار يسكن في الشقة المقابلة لي، ويمكنني أن أقدمك له وتتباحثان معًا بشأن النشر.
وقد كان، ذهب وقابل الأستاذ جلال حزي -عليه رحمة الله-، وبالفعل نُشر الكتاب، وإن كان في البداية لم يكن متحمسًا للنشر، لأنه كان متخصصًا دائمًا في نشر الكتب القانونية، فقال: أخشى ألا يُباع هذا الكتاب.
قال له: اطبع وتوكل على الله، وبإذن الله سوف يتم توزيعه، وقد كان.
نعود إلى مجلس إدارة الجمعية الفلسفية؛ هنا تذكر هذه الواقعة، فوجد أن مجلس الإدارة لديه مشكلة نشر وتوزيع مجلة الجمعية الفلسفية المصرية، فعرض عليهم أن يتباحث مع صاحب منشأة المعارف بالإسكندرية أن يتولى طباعتها ونشرها، وبالفعل استطاع كاتبنا أن يصل إلى اتفاق جيد يناسب الطرفين (منشأة المعارف والجمعية الفلسفية المصرية)، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تُطبع وتُنشر وتُوزع مجلة الجمعية الفلسفية المصرية على نطاق واسع، إذ كان قبل ذلك، منذ أيام زكي نجيب محمود وحتى هذه الأيام، يتم طباعة عدد قليل جدًا من النسخ بقدر ما تسمح ميزانية الجمعية، ويتم توزيع هذه النسخ بشكل ودي.
كان هذا هو التحدي الأول الذي قابل كاتبنا في حياته، ويظن أنه نجح فيه نجاحًا جيدًا.
أما التحدي الثاني فكان أن جاءت أستاذة فلسفة ألمانية إلى القاهرة، ودعاها الأستاذ الدكتور حسن حنفي لإلقاء محاضرة بالجمعية، وبعد أن انتهت من المحاضرة، عرض عليها أن تأتي معه إلى جامعة المنيا لتقابل طلاب قسم الفلسفة هناك وتلقي محاضرة، فرحبت ترحيبًا كبيرًا بهذا العرض. وعرض الأمر أيضًا على عميد الكلية -عليه رحمة الله- الدكتور عبد الهادي الجوهري، الذي وافق ووفّر لها مكانًا للبيات واستضافة جيدة.
عبّرت له هذه الأستاذة عن إعجاب بنشاطه وبعلمه -على حد قولها-، وإذا بها تفاجأه بأنها قد اقترحت اسمه على دار نشر كانت تُعد كتاباً يناقش وضع الفلسفة مع نهاية الألفية الثانية:
كنا قد وصلنا إلى عام 1998م، وإذا بهذه الدار الألمانية للنشر تتواصل مع أشهر مئة فيلسوف على مستوى العالم، وتعطيهم أربعة أسئلة. مجمل هذه الأسئلة هو: ما هي التيارات الفلسفية التي ترى أنها سوف تندثر مع انتهاء هذه الألفية الثانية؟ وما هي التيارات الفلسفية التي ترى أنها ستبقى في الألفية القادمة؟ وما هي التيارات الفلسفية التي ترى أنها ستكون لها تأثير أكثر من غيرها؟ كان مطلوبا من كل مشارك الإجابة على هذه الأسئلة.
وإذا بخطاب يصله أنه من ضمن هؤلاء المئة، ومطلوب منه أن يجيب عن هذه الأسئلة في أربع صفحات، بحيث إنه مع المئة مشارك، عندما يتم طباعة الكتاب، يصبح الكتاب أربع مئة صفحة.
كان في هذه المرحلة أصغر من أن يتمكن من الإجابة على هذه الأسئلة-إذ لم تكن لديه معرفة كافية بسائر التيارات الفكرية الفلسفية-. كان قد انتهى من الدكتوراة منذ ثلاث سنوات فقط أو أربع سنوات، ولكنه، كما قلت، أخذ الأمر مأخذ تحدٍ، وأخذ يبحث في هذا الموضوع، وانتهى منه في حوالي شهر.
سعادته كانت لا توصف عندما قبلوا إجاباته، ونُشرت مساهمته ضمن أشهر مئة أستاذ فلسفة وفيلسوف على مستوى العالم، وهذا الكتاب من أكثر الكتب التي أعتز بها، وبالطبع كانت مساهمته باللغة الإنجليزية.

دكتور بهاء درويش من ذكريات البدايات الجارديان المصريه