حسين السمنودى يكتب : هل تحوّل بناء المساجد في كل مكان إلى صورة من التفرقة لا الوحدة؟!
في كل شارع تقريبًا تجد مسجدًا، وفي كل حي تجد أكثر من زاوية، وفي كل منطقة تسمع أكثر من أذان في توقيت واحد، حتى أصبحت بعض المناطق تعاني من كثرة المساجد لا من قلّتها، ومن تشتت الجهود لا من ضعفها، وهنا يبرز السؤال الذي يخشاه البعض رغم أهميته:
هل أصبح بناء المساجد في كل مكان دليلًا على التفرقة أكثر من كونه وسيلة للوحدة؟!
الإسلام لم يكن يومًا دين التشتت، ولم تكن رسالة المسجد أن يتحول إلى عنوان للانقسام أو التنافس أو إثبات النفوذ الاجتماعي، بل كان المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مركزًا جامعًا للناس، تُبنى فيه الأخلاق قبل الجدران، وتُصنع فيه العقول قبل المآذن، وكان المسجد يجمع القلوب لا يفرق الصفوف.
لكن ما يحدث اليوم في كثير من الأماكن يدعو للتأمل العميق، فبدلًا من أن يكون لكل منطقة مسجد جامع قوي يخدم الناس بعلم حقيقي ودعوة مؤثرة وتنظيم محترم، أصبحت بعض المناطق مليئة بالزوايا الصغيرة والمساجد المتقاربة بشكل يثير الدهشة، حتى إنك قد تجد ثلاثة أو أربعة مساجد في شارع واحد، وكل مسجد لا يمتلئ إلا بعدد قليل من المصلين، بينما تعاني مناطق أخرى من غياب الخدمات الأساسية أو ضعف المؤسسات التعليمية والدعوية.
المشكلة ليست في بناء بيوت الله، فعمارة المساجد من أعظم الأعمال، ولكن السؤال الحقيقي:
هل عمارة المسجد تكون بالحجر فقط أم بالبشر أيضًا؟!
ما الفائدة من زيادة أعداد المساجد إذا كان هناك عجز واضح في الأئمة والدعاة؟!
وما قيمة التوسع في البناء بينما تعاني وزارة الأوقاف والمؤسسات الدينية من نقص شديد في الكوادر القادرة على الخطابة والتوجيه والتأثير الحقيقي؟!
الواقع يقول إن هناك فجوة كبيرة، فجوة في إعداد الإمام القادر على مخاطبة الناس، وفجوة في الدعاة المؤهلين لمواجهة الفكر المتطرف والانحلال الأخلاقي والانهيار الأسري والمخدرات والانتحار والانفلات المجتمعي، حتى أصبحت بعض المساجد تُدار بمن يسدّ الفراغ فقط، لا بمن يحمل مشروعًا دعويًا حقيقيًا.
ولهذا تلجأ بعض الجهات إلى الاستعانة بأي شخص يستطيع الوقوف على المنبر أو إمامة الناس، فقط حتى لا يُغلق المسجد أو تتعطل الصلاة، بينما القضية أكبر من مجرد إقامة الشعائر، فالمسجد رسالة ومسؤولية وتربية وصناعة وعي.
المؤلم أكثر أن بعض المساجد تحولت عند البعض إلى نوع من الوجاهة الاجتماعية أو المنافسة الخفية، فهذا يبني مسجدًا ليقال عنه كريم، وذاك يبني زاوية ليكون له نفوذ أو اسم أو تأثير، وآخر يريد مسجدًا يحمل اسم عائلته، حتى غابت أحيانًا فكرة التخطيط الحقيقي لاحتياجات المجتمع.
ولو نظرنا بعين الحكمة لوجدنا أن الأمة ليست في حاجة إلى مئات المساجد الضعيفة المتفرقة، بقدر حاجتها إلى مساجد قوية عامرة بالعلم والوعي والإصلاح، فيها إمام محترم قادر على احتواء الشباب، وتصحيح المفاهيم، والدفاع عن الدين بالفكر والحجة لا بالصوت المرتفع فقط.
المسجد الذي لا يجد إمامًا مؤهلًا، ولا درس علم، ولا دورًا اجتماعيًا، ولا رسالة حقيقية، يتحول مع الوقت إلى مجرد مبنى صامت، بينما المطلوب هو صناعة الإنسان قبل صناعة الخرسانة.
المسؤولية هنا مشتركة بين الجهات الرسمية ورجال الدين وأهل الخير، فبدلًا من التوسع العشوائي في البناء، نحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإلى دعم إعداد الأئمة وتأهيلهم نفسيًا وعلميًا وثقافيًا، لأن الإمام اليوم يواجه عالمًا مليئًا بالشبهات والأفكار والتيارات والانفتاح الرقمي، ولم يعد يكفي أن يحفظ خطبة مكتوبة ثم ينصرف.
كما أن المؤسسات الدينية مطالبة بالنزول الحقيقي إلى الناس، والاستماع إلى مشاكلهم، والاعتراف بوجود أزمة في الخطاب الديني أحيانًا، لأن الناس لم تعد تريد الكلام المكرر، بل تريد من يفهم واقعها ويخاطب عقلها وقلبها معًا.
إن قوة الأمة ليست بعدد المآذن فقط، وإنما بقوة الرسالة التي تخرج من تلك المآذن، فكم من مسجد صغير غيّر مجتمعًا كاملًا بإمام مخلص واعٍ، وكم من مسجد ضخم بقي بلا أثر لأنه افتقد الروح والرسالة.
وفي ختام هذا الطرح، فإن الواجب الحقيقي للمؤسسات الدينية لا يكتمل إلا بقيامها بدورها دون إخلال أو نقصان، فهي المسؤولة عن ضبط الخطاب الديني، وتأهيل من يتصدر له، وحماية المنابر من العشوائية أو الضعف. إن دورها ليس إداريًا فقط، بل هو دور إصلاحي شامل يوازن بين قدسية الدين واحتياجات المجتمع.
وعليها أن تنتقل من المتابعة الشكلية إلى التأهيل الحقيقي، وأن تسد الفجوة في أعداد الأئمة والدعاة بالعلم والتدريب لا بالحلول السريعة، وأن تضع معايير صارمة لمن يعتلي المنبر، لأن الكلمة في المسجد أمانة ومسؤولية كبرى.
إن هذه المؤسسات حين تقوم بدورها الكامل غير المنقوص تصبح خط الدفاع الأول عن الأمن الفكري للمجتمع، وتحافظ على وحدة الصف، وتمنع الانحراف والغلو والتفكك، دون أن تمس ثوابت الدين أو تقلل من مكانته، بل على العكس، تعيد له هيبته ورسالته الحقيقية.
وحين يُدار هذا الملف بعقل وحكمة وتخطيط، يتحول المسجد من مجرد مبنى إلى منارة وعي ووحدة، تجمع الناس ولا تفرقهم، وتبني المجتمع ولا تهدمه، ويصبح الدين كما أراده الله: رحمةً وهدايةً واستقرارًا وأمنًا للناس أجمعين.












مصرع عاملين بعد سقوطهما من أعلى سقالة في الطابق الرابع بمدينة...
محكمة الجنايات الاقتصادية تقضى ببراءة مرتضى منصور
القبض على المتهم بطعن طالب بجامعة الأزهر، بسلاح أبيض أودت بحياته.
تأجيل محاكمة طبيب تجميل متهم بالتسبب في وفاة عروس حلوان لـ17 مايو
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل