الخميس 14 مايو 2026 10:56 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

السيناريست عماد النشار يكتب : أوصيكم بالكتاوت !

السيناريست عماد النشار
السيناريست عماد النشار

جمعني لقاء مع الكبير قيمة وقامة ، معالي الأستاذ الدكتور الأديب منير فوزي بعد دعوة كريمة كالعادة منه، وحكى لي بتأثر شديد معاناته الشديدة مع سيارته التي فجأة ركبها مئة عفريت دون داعي أو سابق إنذار، وكلما لجأ إلى فني تصليح من "شيوخ" المهنة الذين كان يثق فيهم وجدهم تحولوا إلى "دجالين"، قال أحدهم: العيب في البطارية، فقام بتغييرها، أمتار قليلة وتوقفت السيارة، اكتشف آخر أن البطارية بريئة وتقوم باستنفاد طاقتها كاملة دون مساعدة من الدينامو، الذي لا يقوم بدوره، إذًا يجب تغيير الدينامو، استجاب وقام بشراء دينامو جديد، لم يمر وقت حتى تعطلت السيارة مرة أخرى، استغاث بثالث، بعد فحص وبحث وتمحيص صرخ: صرخة نيوتن عندما سقطت التفاحة على أم رأسه: وجدتها، العيب في الكتاوت يا دكتور…
استوقفتني كلمة الكتاوت وراقت لي بعدما أحدث جرسها وقعًا موسيقيًا داخليًا، وعلى الفور رددت في سري القول الساخر المأثور ولكن بتصرف: يا قلبي يا "كتاوت" ياما أنت شايل وساكت، ورغم أن إلمامي بعالم السيارات قيادةً ومعلومات لا يقل عن إلمامي بلغة شعب القارة المفقودة، إلا أن الفضول جعلني بعد ما تركته مودعًا، أن أبحث بشغف عن كل تفاصيل الدلعدي الكتاوت اللي مزعله الدكتور، من حيث الشكل والحجم والدور، فوجدتها تمثل المعنى الحرفي للمثل الشعبي: قد النملة وتعمل عمله...
فهي قطعة لا يتجاوز حجمها عقلة إصبع في اغلب السيارات ،كما صرح لي الحاج "جوجل" ، لكنها قادرة على إيقاف سيارة كاملة... فهي لا تصنع الحركة بنفسها، لكنها تعطي الإذن للطاقة كي تمر، فتعمل الأشياء الكبيرة، وتحميها من الاحتراق إذا زاد الحمل، وكما تعلمنا من الكبار أمثاله أن النبش في النص يزيده عمقًا واتساعًا، فما أن بدأت "النقر" في النص حتى "حلق" بي كروان الفن وبلبله في أفق التأمل ليؤكد لي أن كل ما صنعه ابن آدم من الآلات وأجهزة لخدمة البشرية، ما هو إلا محاكاة للإنسان، صناعة الله الذي أحسن كل شيء صنعًا، فوجدت أن لكل إنسان منا كتاوت لأعضائه ، بعضها يحتاج لأجهزة بالغة الدقة لاكتشافه، هذه الكتاوت تقوم بدورها الفعال والمحوري لكل أجهزتنا، إذا أصابها خلل أو تلف تداعى لها باقي الجسد بالسهر والحمى.
بناء على ذلك، يمكن إيجاد أكثر من "نظير" للكتاوت داخل الإنسان، مثل الجهاز العصبي، فإشارة عصبية بسيطة من الدماغ قد تجعل العضلات تبذل طاقة كبيرة في الحركة، وكذلك الهرمونات، فكمية صغيرة جدًا من الأدرينالين قد تُحدث تغيرات ضخمة في الجسم كله، وفي القلب الذي ينظم تدفق الدم "الطاقة" إلى أنحاء الجسم، إذا تعطل قد تستمر الأعضاء لحظات، لكن ماتلبث أن تتوقف .
وفي المخ، لوحة مفاتيح الأوامر ، أي خلل صغير داخله، قد يغير مسار حياة كاملة، وأيضا في الجانب المعنوي نجد الضمير، فأخلاقيًا يقوم بإيقاف الإنسان قبل أن يندفع في مسارات مدمرة، كما يفصل الكتاوت الدائرة عند الحاجة، أما التشبيه الأعمق ربما يكون مع العقل البشري نفسه: أحيانًا كلمة واحدة، ذكرى، نظرة، أو فكرة عابرة تكون مجرد إشارة كهربائية صغيرة، لكنها تطلق داخل الإنسان سلسلة هائلة من الأفعال والانفعالات والقرارات، وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل الإنسان نفسه مجرد منظومة من "كتاوتات" خفية؟
أشياء صغيرة جدًا تتحكم في قرارات ضخمة،
جرح قديم، خوف دفين، كلمة من أب، حب، خيبة، طموح… كلها إشارات تبدو بسيطة لكنها قد تشغل حياتنا أو توقفها.
إذًا فبالرغم من أن الكتاوت قطعة صغيرة جدًا إلا أنها قادرة على إيقاف سيارة كاملة... تمامًا كما يحدث خلل او تلف لأحد الجزئيات الدقيقة في الجسم ، قد تغيّر مصير إنسان بأكمله ، كما تغيّره كلمة صغيرة أو موقف عابر
فبعض أعظم ما في الحياة يشبه الكتاوت تمامًا...
صغير جدًا، لا يلفت الانتباه، لكن بدونه تتعطل أشياء أكبر منه بكثير.
لذلك اوصي نفسي وإياكم: كل واحد يخلي باله من كتاويته .

السيناريست عماد النشار أوصيكم بالكتاوت الجارديان المصريه