الأحد 17 مايو 2026 12:18 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. ماجده عبدالحي تكتب : “هو أنا معايا؟!” ... حين يتحول الإنسان إلى مجرد ناجٍ

د. ماجده عبدالحي
د. ماجده عبدالحي

أصبحت الجملة الأكثر تكرارًا في حياتنا اليوم:
“هو أنا معايا؟”
وكأنها لم تعد مجرد شكوى عابرة، بل صارت لسان حال مجتمع كامل أنهكته الظروف، وأرهقه السعي المستمر خلف لقمة العيش.

كل شيء أصبح يدور حول النجاة فقط…
العمل، المصاريف، تعليم الأبناء، الفواتير، ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي.
حتى الأحلام البسيطة تأجلت، والمشاعر تراجعت، والناس لم تعد تملك رفاهية الاهتمام بشيء سوى أن “تُكمل الشهر” بسلام.

لم يعد الإنسان في هذا الزمن يعيش الحياة كما ينبغي…
بل أصبح ينجو منها فقط.

أصبح الصباح يبدأ بسباقٍ مرهق من أجل لقمة العيش،
وينتهي الليل بحسابات لا تنتهي:
إيجار، فواتير، دروس، علاج، ومصاريف تتضاعف بينما الروح تذبل ببطء.

في الشوارع، وفي المواصلات، وفي الوجوه التي نمر بها كل يوم،
يمكنك أن ترى التعب واضحًا كأنه لغة مشتركة بين الجميع.
الناس لم تعد تسأل:
“كيف حالك؟”
بل أصبحت تسأل في داخلها:
“كيف سنكمل هذا الشهر؟”

ومع قسوة الظروف، تغيّرت أشياء كثيرة داخل البشر.
أصبح كثيرون يعيشون بمنطق:
“نفسي أولًا.”
ليس لأنهم أنانيون بالفطرة،
ولكن لأن الخوف من الاحتياج أرهق قلوبهم حتى فقدوا القدرة على الالتفات لغيرهم.

الأب لم يعد يملك رفاهية الجلوس مع أبنائه طويلًا،
والأم أصبحت تحمل فوق روحها أعباءً تفوق الاحتمال،
والشباب صاروا يكبرون قبل أوانهم،
يحلمون فقط بوظيفة تكفي احتياجات البيت، لا بحياة تشبه أحلامهم.

حتى العلاقات الإنسانية تغيّرت…
أصبح الناس أسرع في الخصام، أقل صبرًا، وأكثر قلقًا وتوترًا.
فالإنسان حين يُرهقه الضغط المستمر، يتحول تدريجيًا إلى كائن يحاول النجاة بأي طريقة.

لكن المؤلم حقًا…
أن الفقر لا يسرق المال فقط،
بل قد يسرق من الإنسان هدوءه، وطمأنينته، وحتى جزءًا من إنسانيته.

ورغم كل ذلك،
ما زال هناك من يقاوم القسوة بلطفه،
ومن يحاول أن يبقى إنسانًا رغم التعب،
ومن يقتسم القليل بمحبة، وكأنه يعلن أن الرحمة ما زالت حيّة.

لسنا بحاجة فقط إلى تحسين الظروف الاقتصادية،
بل نحن بحاجة أيضًا إلى إنقاذ الإنسان من التحول إلى آلة تعمل بلا روح.

فالعيش ليس مجرد طعام ونجاة…
العيش الحقيقي أن يبقى القلب حيًا رغم كل ما يحدث حوله.

د .ماجده عبدالحي “هو أنا معايا؟!” ... حين يتحول الإنسان إلى مجرد ناجٍ الجارديان المصريه