الأربعاء 16 سبتمبر 2026 06:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : الحوثيون.. عندما ترفع البنادق شعار الموت لأمريكا وإسرائيل وتشتعل بها صدور المسلمين

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

«الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل».. شعار ظل حاضرًا بقوة في خطاب جماعة الحوثيين في اليمن، وهي الجماعة التي تقدم نفسها باعتبارها حركة مقاومة ومواجهة للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة. لكن أمام هذا الشعار تقف حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها: سنوات طويلة من الحرب داخل اليمن، ومواجهات مباشرة مع السعودية، وهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الحدود، ثم انتقال جزء من الصراع إلى البحر الأحمر، بما جعل اليمن والمنطقة بأكملها أمام واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في الشرق الأوسط.
وهنا لا بد من التوقف عند سؤال شديد الأهمية: ماذا يحدث عندما تتحول الشعارات السياسية والدينية إلى مشروع عسكري مفتوح، وتصبح البنادق هي الوسيلة الأساسية للتعبير عن المواقف؟
القصة لم تبدأ في البحر الأحمر، ولم تبدأ مع حرب غزة، وإنما تعود جذورها إلى صراع يمني داخلي طويل، كانت جماعة الحوثيين أحد أطرافه الأساسية.
الحوثيون، أو جماعة «أنصار الله»، حركة يمنية ذات جذور زيدية نشأت في شمال اليمن، وتطورت خلال العقود الماضية من حركة دينية وسياسية إلى قوة عسكرية كبيرة. ومع مرور السنوات دخلت الجماعة في مواجهات متكررة مع الحكومة اليمنية، إلى أن جاءت اللحظة الفاصلة في عام 2014، عندما تمكن الحوثيون من السيطرة على العاصمة صنعاء، ثم توسع نفوذهم بصورة كبيرة داخل البلاد.
ومع انهيار مؤسسات الدولة وتقدم الحوثيين، دخل اليمن مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة. وفي عام 2015، تدخل تحالف تقوده السعودية عسكريًا في اليمن، معلنًا أن هدفه دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ووقف التوسع الحوثي وحماية الحدود السعودية.
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الحرب اليمنية ذات أبعاد تتجاوز حدود اليمن.
فلم تعد القضية مجرد صراع بين جماعة مسلحة وحكومة، وإنما تحولت إلى ساحة تتداخل فيها مصالح السعودية والإمارات وإيران والولايات المتحدة وبريطانيا وقوى يمنية متعددة، إضافة إلى الجماعات المتطرفة والانقسامات الجنوبية والصراعات القبلية والسياسية.
وهنا بدأت السعودية تواجه تهديدًا مباشرًا على حدودها الجنوبية.
فالحدود السعودية اليمنية طويلة وحساسة، وأي قوة مسلحة تسيطر على مساحات واسعة في شمال اليمن وتمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة يمكنها الوصول إلى الأراضي السعودية تمثل بالنسبة للرياض خطرًا أمنيًا مباشرًا.
والحوثيون بالفعل طوروا خلال سنوات الحرب قدرات عسكرية كبيرة، شملت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مع اتهامات دولية وإقليمية متكررة لإيران بتقديم الدعم والتكنولوجيا والتدريب للجماعة، بينما تؤكد طهران دعمها السياسي للحوثيين وتنفي في مناسبات مختلفة بعض الاتهامات المتعلقة بالتوجيه المباشر للعمليات.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الدعم الإيراني كان عاملًا مهمًا في تطور القدرات العسكرية الحوثية، مع وصول الجماعة إلى مستوى من التسليح جعلها قادرة على تهديد منشآت نفطية وممرات بحرية وأهداف بعيدة نسبيًا عن مناطق سيطرتها.
لكن الحرب لا يمكن اختزالها في «إيران ضد السعودية» فقط.
فهناك اليمن نفسه.
وهناك ملايين اليمنيين الذين عاشوا سنوات الحرب والفقر والنزوح وانهيار الخدمات.
وهناك مدن دمرت.
وهناك أطفال ولدوا في ظل الحرب.
وهناك أسر فقدت أبناءها من مختلف أطراف الصراع.
ولهذا فإن من الخطأ أن ننظر إلى الحرب من خلال خرائط القوى الإقليمية فقط، لأن خلف كل خط على الخريطة بيتًا يمنيًا، وخلف كل منطقة متنازع عليها إنسانًا يريد أن يعيش.
ومع مرور السنوات، أصبحت الهجمات الحوثية على السعودية جزءًا أساسيًا من الصراع.
صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مناطق ومنشآت مختلفة، وردت السعودية وحلفاؤها بضربات جوية داخل اليمن.
وتحولت الحدود إلى جبهة عسكرية مستمرة.
ثم جاءت مرحلة مختلفة عندما دخلت المنطقة كلها في موجة جديدة من التصعيد بعد حرب غزة.
فالحوثيون أعلنوا أنهم يستهدفون إسرائيل تضامنًا مع الفلسطينيين، وأطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، ثم توسعت عملياتهم إلى السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، بحجة استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الضغط عليها بسبب الحرب في غزة.
وهنا انتقلت القضية من صراع يمني سعودي إلى أزمة بحرية دولية.
البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح للحرب اليمنية.
لقد أصبح جزءًا من معادلة الأمن العالمي.
فباب المندب، الذي يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، من أهم الممرات البحرية في العالم، وأي اضطراب في الملاحة عبره يمكن أن يؤثر على حركة التجارة والطاقة وأسعار النقل والتأمين.
ولذلك أصبحت هجمات الحوثيين على السفن محل اهتمام دولي واسع، ودفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقع حوثية في اليمن، في الوقت الذي استمرت فيه الجماعة في إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة في المنطقة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
الحوثيون يقولون إنهم يتحركون دعمًا للفلسطينيين، لكن نتائج اتساع المواجهة لا تقع على إسرائيل وحدها.
النتائج تطال اليمن.
وتطال السعودية.
وتطال الملاحة الدولية.
وتطال مصر أيضًا بصورة غير مباشرة من خلال تأثير اضطرابات البحر الأحمر على حركة الملاحة والإيرادات المرتبطة بقناة السويس.
وهكذا يتحول شعار نصرة قضية عادلة إلى حرب متعددة الجبهات، يصبح فيها المواطن العربي في النهاية واحدًا من الذين يتحملون الكلفة.
وهذا لا يعني إنكار القضية الفلسطينية أو التقليل من حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون، وإنما يعني أن نصرة أي قضية لا ينبغي أن تكون على حساب تدمير دول عربية أخرى أو تعريض شعوب بأكملها للخطر.
ثم جاءت مرحلة الهدوء النسبي.
ففي عام 2022 دخل اليمن فترة هدنة برعاية الأمم المتحدة، وتراجعت حدة القتال بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، رغم أن الهدنة لم تتحول إلى اتفاق سلام نهائي.
كما شهدت العلاقات السعودية الإيرانية تحولًا مهمًا في 2023 بعد الاتفاق الذي رعته الصين لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو تطور فتح الباب أمام محاولات تهدئة إقليمية، وظهرت اتصالات ومسارات تفاوضية مرتبطة بالملف اليمني.
لكن الهدوء لم يكن نهاية القصة.
فالخلافات الأساسية ظلت قائمة، والحوثيون احتفظوا بقوتهم العسكرية، واستمر الانقسام اليمني، وبقيت ملفات السلطة والحدود والموارد ومستقبل الدولة اليمنية بلا حل نهائي.
ثم جاءت التطورات الإقليمية الجديدة لتعيد إشعال المنطقة.
وفي سبتمبر 2026، دخل الصراع مرحلة أكثر خطورة، مع تقدم عسكري حوثي واسع في مناطق من الساحل الغربي لليمن، واشتداد المواجهات مع القوات المناوئة لهم، بالتزامن مع تجدد الهجمات على السعودية.
وأفادت تقارير رويترز في 15 و16 سبتمبر 2026 بأن الحوثيين شنوا موجات جديدة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل السعودية، في وقت كانت فيه القوات السعودية تنفذ ضربات داخل اليمن. وأعلنت السعودية عن إصابات بين المدنيين نتيجة إحدى موجات الهجمات، بينما قال الحوثيون إن عملياتهم جاءت ردًا على الضربات السعودية.
كما أفادت الأمم المتحدة بأن تجدد القتال في اليمن أدى إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص داخليًا، مع فرار آلاف آخرين بحرًا إلى جيبوتي، في مؤشر جديد على حجم الكلفة الإنسانية للتصعيد.
وهنا يجب أن نتوقف.
ماذا يعني أن يهرب أكثر من مئة ألف إنسان من بيوتهم بسبب الحرب؟
يعني أن وراء البيانات العسكرية آلاف القصص الإنسانية.
أب يريد أن يحمي أبناءه.
وأم تبحث عن مكان آمن.
وطفل لا يفهم لماذا اضطر إلى ترك مدرسته.
وعائلة فقدت مصدر رزقها.
وشاب ترك عمله وأصبح نازحًا.
هذه هي الحقيقة التي لا تظهر دائمًا في الصور العسكرية.
الحرب في نشرات الأخبار قد تبدو مجموعة من الأرقام.
لكن الحرب بالنسبة للإنسان العادي هي بيت فقده، أو قريب فقده، أو مستقبل لم يعد يعرف كيف سيبدو.
والأكثر خطورة أن التصعيد الحالي جاء مع مكاسب ميدانية حوثية على ساحل البحر الأحمر، الأمر الذي يضيف أهمية استراتيجية جديدة للجماعة بسبب قرب مناطق العمليات من باب المندب. وقد أشارت تقارير إلى تقدم حوثي باتجاه مواقع استراتيجية على الساحل، بما في ذلك جزيرة بريم/ميون عند مدخل البحر الأحمر، وهو ما يزيد المخاوف بشأن الملاحة الدولية.
وباب المندب ليس تفصيلًا صغيرًا.
إنه أحد مفاتيح البحر الأحمر.
ومن يملك نفوذًا قويًا بالقرب منه يمتلك قدرة على التأثير في واحد من أهم طرق التجارة البحرية.
وهنا تصبح القضية أكبر من اليمن والسعودية.
فأي تهديد مستمر للملاحة يمكن أن يؤدي إلى تغيير مسارات السفن، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة أسعار النقل، وربما تأثيرات اقتصادية تصل إلى دول بعيدة عن منطقة الصراع.
وهذا هو السبب في أن الأزمة اليمنية لم تعد أزمة محلية.
إنها أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
أما السعودية، فهي ترى أن ما يحدث على حدودها ليس مجرد خلاف سياسي مع جماعة يمنية، بل تهديد مباشر لأمنها.
وقد أعلنت الرياض مرارًا أنها ستتصدى للهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها.
وفي المقابل، يعلن الحوثيون أن عملياتهم تأتي ردًا على ما يعتبرونه عدوانًا سعوديًا وإسرائيليًا وأمريكيًا، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم طرفًا في محور إقليمي يواجه إسرائيل والولايات المتحدة.
لكن هنا تحديدًا يجب ألا نخلط بين تفسير طرف للصراع وبين الحقيقة الكاملة للصراع.
كل طرف يمتلك روايته.
والقارئ يجب أن يعرف الفرق بين الرواية السياسية وبين الوقائع التي يمكن التحقق منها.
وهذا مهم جدًا عندما نتحدث عن الحرب.
فالحوثيون يقولون إنهم يستهدفون أهدافًا عسكرية.
والسعودية تقول إن هجماتهم تهدد المدنيين والمنشآت الاقتصادية.
والطرفان يقدمان روايات مختلفة حول نتائج العمليات العسكرية.
لذلك لا ينبغي أن تتحول بيانات الحرب إلى حقائق مطلقة دون التحقق منها.
وفي أحدث التصعيد، ظهرت أيضًا ادعاءات حوثية بإسقاط طائرة سعودية، لكن التقارير التي تناولت الأمر أشارت إلى عدم تقديم أدلة مستقلة تثبت هذا الادعاء.
وهنا تكمن أهمية الإعلام المسؤول.
ففي زمن الحرب تنتشر الأخبار بسرعة، لكن الحقيقة لا تسير دائمًا بالسرعة نفسها.
أما الشعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل»، فهو جزء معروف من الخطاب الحوثي منذ سنوات.
لكن المشكلة ليست في الكلمات وحدها.
المشكلة في السؤال الذي يأتي بعدها:
وماذا عن المسلم الذي يقع في مرمى النار؟
ماذا عن المواطن السعودي؟
ماذا عن المواطن اليمني؟
ماذا عن المدني الذي لا علاقة له بأي محور؟
هل يصبح دمه أقل قيمة لأن هناك خلافًا سياسيًا؟
وهل يتحول العربي إلى هدف مشروع لمجرد أن حكومته تختلف مع جماعة مسلحة؟
هنا يجب أن يكون الموقف واضحًا: حياة المدنيين ليست جائزة في أي حرب، ولا يمكن لأي شعار ديني أو سياسي أن يمنح أحدًا الحق في استباحتها.
والأمر نفسه ينطبق على جميع أطراف الصراع.
فكما لا يجوز تبرير استهداف المدنيين السعوديين، لا يجوز كذلك تجاهل ما تعرض له المدنيون اليمنيون خلال سنوات الحرب.
كما أن إدانة هجمات الحوثيين لا تعني منح صك براءة لكل ما فعلته الأطراف الأخرى في اليمن.
الحقيقة لا تحتاج إلى الانحياز إلى رواية واحدة.
الحقيقة تحتاج إلى النظر إلى جميع الضحايا.
وهنا ربما تكون أكبر مأساة في القضية كلها.
اليمن الذي كان يمكن أن يكون دولة عربية مستقرة ذات موقع استراتيجي هائل، أصبح ساحة تتصارع فيها القوى المحلية والإقليمية.
والسعودية التي كانت تسعى إلى حماية حدودها الجنوبية وجدت نفسها في حرب طويلة ومكلفة.
وإيران وجدت في الحوثيين حليفًا إقليميًا مهمًا يملك موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر.
والولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع تهديدات للملاحة والقواعد والمصالح في المنطقة.
وإسرائيل أصبحت جزءًا من الحسابات العسكرية الحوثية.
أما المواطن العربي، فظل في كثير من الأحيان خارج غرفة صناعة القرار، لكنه داخل فاتورة الحرب.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط هو أن تصبح الحروب بالوكالة أمرًا طبيعيًا.
قوة إقليمية تدعم جماعة.
ودولة تدعم جماعة أخرى.
وقوة دولية تدخل لحماية مصالحها.
ثم تبدأ الصواريخ في التحرك.
وفي النهاية يموت من لا علاقة له بكل هذه الحسابات.
لهذا فإن مستقبل اليمن لا ينبغي أن يقرر بالصواريخ وحدها.
اليمن يحتاج إلى حل سياسي شامل، ودولة واحدة، ومؤسسات قادرة، وتسوية تحفظ حقوق اليمنيين وتمنع تحويل البلاد إلى منصة دائمة للصراع الإقليمي.
والسعودية تحتاج إلى أمن حدودها.
والمنطقة تحتاج إلى بحر أحمر آمن.
والعالم يحتاج إلى ممرات تجارية مفتوحة.
والشعب اليمني يحتاج قبل كل شيء إلى أن يستعيد حقه في الحياة الطبيعية.
أما فلسطين، فتحتاج إلى معالجة حقيقية لقضيتها، لا إلى تحويل الدول العربية الأخرى إلى ساحات حرب متتابعة.
هذه هي المعادلة التي يجب أن يفهمها الجميع.
فالقضايا الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تطلق باسمها.
بل تقاس بما إذا كانت هذه الصواريخ تقرب الشعوب من السلام أم تدفعها إلى حرب جديدة.
والقوة ليست أن تستطيع إطلاق النار.
القوة الحقيقية أن تستطيع إيقاف النار عندما يصبح استمرارها خطرًا على شعبك.
إن الحوثيين أصبحوا قوة عسكرية حقيقية في اليمن، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها. كما أن قدرتهم على تهديد الملاحة والمنشآت الإقليمية أصبحت موضع اهتمام دولي واسع.
لكن القوة العسكرية لا تعني أن الحرب هي الطريق الوحيد.
والسعودية تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة، لكنها كذلك تحتاج إلى استقرار إقليمي طويل الأمد.
والمنطقة بأكملها تحتاج إلى الخروج من دائرة «اضربني فأضربك».
لأن هذه الدائرة لا تنتج منتصرين حقيقيين.
إنها تنتج دولًا منهكة وشعوبًا خائفة واقتصادات تدفع ثمن التوتر.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على كل من يرفع شعار الدفاع عن الأمة هو:
هل الأمة تقوى عندما يقتل أبناؤها بعضهم بعضًا؟
وهل نصرة المسلمين تكون بتحويل بلد عربي إلى ساحة حرب؟
وهل تحرير فلسطين يحتاج إلى تهديد اليمن والسعودية والبحر الأحمر؟
وهل يمكن أن تكون هناك قضية عادلة تُدافع عنها بطريقة تجعل الأبرياء يدفعون الثمن؟
التاريخ لا يحكم على الشعارات وحدها.
التاريخ ينظر إلى النتائج.
ومن المؤكد أن الشعب اليمني لا يحتاج إلى مزيد من القبور.
والشعب السعودي لا يحتاج إلى مزيد من الصواريخ.
والشعوب العربية كلها لا تحتاج إلى حرب جديدة.
إنها تحتاج إلى دولة تحميها، واقتصاد يبنيها، ومؤسسات تحترمها، وحدود آمنة، وسياسة تمنع تحويلها إلى أدوات في صراعات المحاور.
أما «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، فتبقى شعارات سياسية لا ينبغي أن تصبح ستارًا يخفي سؤالًا أكثر أهمية:
متى يتوقف الموت بين المسلمين أنفسهم؟
فمن السهل أن ترفع راية الحرب.
ومن السهل أن تطلق شعارًا مدويًا.
ومن السهل أن تصف خصمك بالخيانة والعمالة.
لكن الأصعب هو أن تمنع طفلًا من فقد أبيه، وأن تمنع أمًا من النزوح، وأن تحافظ على وطن من الانهيار.
وهنا تكون البطولة الحقيقية.
أن تحمي شعبك لا أن تستخدمه.
أن تبني دولتك لا أن تحوّلها إلى منصة صواريخ.
أن تبحث عن السلام عندما يكون السلام ممكنًا.
وأن تعرف أن الدم العربي، مهما اختلفت الطوائف والمذاهب والحدود، ليس وقودًا لأي مشروع سياسي.
اليمن ليس ملكًا للحوثيين.
والسعودية ليست هدفًا مفتوحًا.
وفلسطين ليست ذريعة لإحراق المنطقة.
والشعوب العربية ليست بيادق على رقعة شطرنج إقليمية.
وفي نهاية المطاف، سيبقى السؤال الأكبر معلقًا فوق كل هذه المعارك:
من الذي انتصر عندما يموت اليمني والسعودي، ويغلق البحر الأحمر، ويهرب الأطفال من بيوتهم، بينما تبقى القوى المتصارعة تبحث عن جولة جديدة؟
قد تتغير خرائط النفوذ.
وقد تتبدل التحالفات.
وقد تنتصر جماعة في معركة وتخسر أخرى.
لكن الانتصار الحقيقي الوحيد هو أن يعود الإنسان إلى بيته، وأن يفتح الطفل كتابه بدل أن يختبئ من الصاروخ، وأن تصبح الحدود أماكن للتجارة والحياة لا منصات لإطلاق النار.
عندها فقط يمكن أن نقول إن المنطقة بدأت تنتصر على الحرب.
أما طالما ظلت البنادق تتحدث بدلًا من السياسة، وظلت الشعارات أعلى من صوت الإنسان، فإن الخاسر الأكبر سيظل هو المواطن العربي الذي لم يختر الحرب أصلًا، لكنه وجد نفسه مضطرًا لدفع ثمنها.

حسين السمنودى الحوثيون.. عندما ترفع البنادق شعار الموت لأمريكا وإسرائيل وتشتعل بها صدور المسلمين الجارديان المصرية