الخميس 26 نوفمبر 2020 10:56 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

اسعد سليم يكتب : قراءة في مشروع د. محمد عابد الجابرى (4) الأعرابي الذى أضاعنا

الباحث اسعد سليم
الباحث اسعد سليم

إن اللغة ستظل هي المكون الأول في بنية العقل العربي، فالعربي يقدس لغته ويفرق بينها وبين الأعاجم أي الذين لا يفصحون ولا يبينون كلامهم، وأهم منجز حضاري للشخص العربي هو الدين واللغة، والدين قد جاء بلسان عربي مبين، ولعل اللغة هي أساس الخلافات بين الفرق والمذاهب الإسلامية بما يفيض به اللفظ والمعني في لغتنا العربية، وقد كان أول منجز للعرب هو قيام اللغويون والنحاة بحفظ اللغة ولقد سار عصر التدوين علي هداهم ونهجهم.
إن المفكر الالماني هردر( ١٧٤٤-١٨٠٣) من أوائل الأشخاص الذين قاموا بدراسة العلاقة بين اللغة والفكر، فاللغة ليست مجرد أداة للفكر بل هي القالب الذي يتشكل فيه الفكر ذاته، ونحن نلاحظ أن الطفل يبدأ الفكر من خلال الكلمات التي يتعلمها وعالمه يتسع أو يضيق حسب ما تعطيه لغته الأم، إن الأمم تخزن تجاربها بلغتها بما فيها من صواب وخطأ وتتوارثه الأجيال فتصبح نظرتهم لربات المعرفة البشرية (الحقيقة والجمال والفضيلة ) وكأنها آلهة قومية مثلما هي اللغة رغم أن تلك النظرة قد تكون شابها خطأ في مرحلة التكوين اعتمادًا علي اللغة، وبالتالي فلغة أمة ما هي التي تحدد نظرتها للعالم وللكون، إننا نفكر كما نتكلم وبالتالي فاللغة التي تحدد قدرتنا علي الكلام هي نفسها التي تحدد قدرتنا علي التفكير، والمثال الواضح لذلك أن لغة الاسكيمو بها كثير من المترادفات لعالم الثلج بينما لا نجد في اللغة العربية ( لغة الصحاري والجو الحار) إلا كلمة واحدة هي الثلج، والعكس صحيح في مترادفات كلمة الحرارة.
ويرى الجابرى أن القواميس العربية القديمة والراهنة قد جمعت مادتها من فم الأعرابي الذي يعيش في الصحاري المقفرة دون أن يختلط باللغة المتطورة الموجودة في المدن والحضر، فمعجم لسان العرب الضخم الذي يضم ما يقارب ٨٠ ألف مصدر لغوي اعتمد اعتمادًا كليًا علي تلك اللغة العربية القحة رغم أنه مكتوب في القرن السابع الهجري إلا أنه اعتمد علي اللغة القديمة، ولذلك فاللغة العربية قد جمدت بعد تحنيطها، إلا أن الواقع الاجتماعي قد ثار علي تلك اللغة باختراع اللغة العامية التي تشتمل علي كلمات ومعاني ومصطلحات أكثر بعكس اللغة القديمة التي لا تضم بداخلها الكلمات الصناعية والتكنولوجية والحضارية الراهنة، لكن العامية رغم ذلك لا تمتلك الأدوات والآليات للتفكير فهي ليست لغة ثقافة وفكر، ولذلك فالكاتب والأستاذ العربي يستخدم الفصحي في كتاباته والعامية في حديثه العادي، وهذا الانقسام الحاد والازدواجية تزداد إذا كان الرجل يعرف لغة أجنبية ثالثة، فهو يفكر بالأجنبية ويكتب بالعربية ويتحدث بالعامية.
فإذا كانت معجزة اليونان هي الفلسفة فان معجزة العرب هي اللغة العربية، لقد قام الخليل بن أحمد الفراهيدي( ١٠٠-١٧٠هجرى) بعمل خارق للعادة( معجزة) وبجهد فذ في تحويل اللغة من لغة السليقة والفطرة إلي لغة علمية يمكن تعلمها بقواعد ويمكن لها أن تنقل علوم السلف إلي الخلف، لقد قام الخليل بترتيب الحروف الهجائية بطريقة معينة كالسنسكريتية الهندية، ولأنه عقل رياضي فذ وموسيقي بارع فقام بافتراض أن اصل أي كلمة عربية يعود لمصدر ثنائي أو ثلاثي أو رباعي أو خماسي وما زاد علي ذلك فيمكن تجاهله وإرجاعه لأصله، فقام الفراهيدي كعمل رياضي نظري بتجميع كل الكلمات الممكنة ذهنيًا لا واقعيًا في اللغة والتي فاقت ١٢ مليون كلمة ثم جلس بعد ذلك هو ومن تبعه بتنقية الكلمات المستعملة وإزالة الكلمات التي لم يسمع بها من قبل، وكان السبب الرئيسي لمحاولة تجميع اللغة في ( كتاب العين) للخليل بن أحمد هو محاولة مجابهة اللحن والانحراف في القرآن لزيادة عدد المسلمين الموالي من الجنسيات المختلفة والتي تأثرت بهم اللغة العربية تأثرًا كبيرًا فحاول اللغويون تدارك الموقف واصطناع لغة فصيحة ما ورائية لتحصين القرآن من خارجه، فاعتمدوا علي استراتيجية غريبة في جمع الكلام العربي بأن ذهبوا للبادية المقفرة وجعلوا شرطًا خشونة الجلد وفصاحة اللسان لكي يقبلوا من الأعرابي روايته للغة، وابتعدوا عن الحضر والمدن زاعمين أنهم اختلطوا بالعجم فتأثرت لغتهم، والشرط الثاني لاعتماد كلام القبائل العربية الصحراوية هو شرط عدم تعلمهم الكتابة لأن اللغة حينئذ لم تكن مرقمة وبالتالي يمكن بعد قراءتها مدونة أن يتم تحريف معناها ولذلك كان شرط السماع فقط هو المسموح له بالاعتماد، فقام الأعرابيون بادعاء أنهم لا يعرفون الكتابة بينما هم يعرفونها في الواقع وقام بعضهم من سكان الحضر بالذهاب للبادية مدعين أنهم من سكانها حتي يسمح لهم ببيع كلامهم مثلهم مثل سكان البادية، ولهذا رغم الجهد العظيم الذي قام به الفراهيدي ومن تبعه فإن اللغة قد تحجرت وأصبحت لاتاريخية بمعني أنها تعلو علي التاريخ ذاته بعدم قدرتها علي التطور والتجدد وبأنها لغة حسية طبيعية شبه مصطنعة تفتقد للحضارة والتمدن باعتمادها مصدرًا وحيدًا هم سكان البادية البدو، وأيضًا أصبحت لغة تفيض فيها الألفاظ علي المعاني لأنهم أخذوا الألفاظ من القبائل المختلفة وكان لكل قبيلة لفظ مختلف عن القبائل الأخرى لنفس المعني، كما أن طريقة الاشتقاق الصناعي الذي ابتكرها الفراهيدي جعلت الكثير من الكلمات المتشابهة ذو الأصل الواحد والمعني المتقارب أو المكرر موجودة بكثرة في أصل اللغة التي تم افتراضها علي أسس ذهنية لا واقعية.
لقد حذا النحاة حذو اللغويين وقاموا باصطناع قواعد ذهنية مستخرجة من كلام الأعرابيين البدو الرحل، كما أنهم جعلوا لكل كلمة تصريفًا موسيقيًا مستساغ بالأذن وليس بالعقل حتي ولو كان غير مفهوم.
كما أن البلاغيون العرب القدامي قد استسلموا هم أيضًا لعقل البدوي الأعرابي فأصبح الشعر الجاهلي القديم هو فقط من يقاس عليه رافضين أي تجديد أو ابتكار متبعين مبدأ التوليد علي القديم والاتباع، مثلما قال ابن الأعرابي عندما سمع شعر أبو تمام( إذا كان هذا شعرًا فإن كلام العرب باطل) وهي نظرة محافظة جدًا نراها بشكل أوسع عند نفس الشخص ابن الأعرابي عندما يهاجم الحداثة في زمنه بقوله( أشعار المحدثين كريحان يشم مرة واحدة ويرمي في الزبالة، بينما شعر القدماء كالمسك والعنبر كلما حركته ازداد طيبًا).
لقد زكي اللغويون والنحاة والبلاغيون الأعرابي البدوي ليكون أستاذهم ورئيسهم ومعلمهم وقدوتهم وشرعوا مناهجهم علي قالبه حتي ولو كان هذا القالب هو أردأ صورة في تاريخ الفكر الحضاري العربي، لقد أصبحنا مشدودين منذ يومها للقديم يحكمنا أينما اتجهنا ويحرك بوصلتنا ليس فقط في مجال اللغة والأدب بل في كل المجالات، أليس الجديد يشم ويرمي في الزبالة والقديم كالمسك والعنبر كلما قدم زاد تعتيقًا وطيبًا!