الإثنين 18 أكتوبر 2021 12:06 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامى محمد جراح يكتب : فاروق حسني وهواية كشط وطمس الأسماء

الإعلامى محمد جراح
الإعلامى محمد جراح

آلم البعض من المنصفين أن تتم احتفالية نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى متحف الحضارة بالفسطاط دون أي إشارة لجهود وزراء ومسئولين سابقين كان لهم شرف الاقتراح والسهر على تنفيذ المقترحات مثلما هو الحال مع المتحف الذي استقرت به المومياوات وهو متحف الحضارة.
والحق أقول إن الفنان فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق كانت له إنجازات كثيرة عندما كان وزيراُ وكانت الآثار في عهده ما تزال تحت يده باعتبار أن المجلس الأعلى للآثار كان مجرد هيئة تابعة من هيئات وزارة الثقافة الكثيرة ولم تكن الآثار قد استقلت لتصبح وزارة مستقلة إلا بعد ثورة يناير وقد تولى حقيبتها الأثري الشهير الدكتور زاهي حواس.
وإذا كان فاروق حسني هو من فكر في متحف الحضارة؛ فهو أيضاً من فكر في إنشاء المتحف المصري الجديد الكائن بالقرب من ميدان الرماية بمنطقة هضبة الأهرامات.
وعلى المستوى الشخصي أقول إنه لا تربطني أدنى صلة مباشرة كانت أو غير مباشرة بالسيد الفنان فاروق حسني؛ ولم يزد لقائي به عن مرة واحدة حاورته فيها على هواء الإذاعات المصرية التي شاركت في نقل فعاليات نقل تمثال &رمسيس الثاني& من ميدانه الشهير بالقاهرة إلى حيث سيقف في باحة المتحف الذي لم تكن ملامحه قد اتضحت بعد؛ وقد بدا لي الرجل في الحوار هادئاً وحاضراً ومتواضغاً؛ عكس كثيرين من مسئولي وزارته الذين شيطنتهم الميديا؛ وسعرهم المال فأحبوا الظهورعلى حساب كل شيء.
وإذا كان البعض يعيب على فاروق حسني أنه استمر في منصبه كوزير للثقافة فترة طويلة؛ وإذا كان ذلك البعض يرى في هذا الأمر عيباً؛ فلماذا لم يتكلم أحد من ذلك البعض وقتها ليشير إلى عوار يراه إن كان في الأمر عوار؛ فالذنب هنا – إذا كان هناك ذنب – ليس في الرجل الذي استمر يدير حقيبة الثقافة بكل حنكة واقتدار؛ ولكنه ذنب من أبقاه في المنصب حتى يحقق كل الإتجازات التي حققها طوال كل تلك السنوات الخوالي.
السؤال المنطقي بخصوص ذلك الأمر كان من المفروض أن يكون: هل كان فاروق حسني على قدر المسئولية أثناء قيادته لدفة الثقافة أم لا ؟ أعتقد أن الإجابة ستصب في صالح سيادته لأنه أنجز على ما أعتقد مالم يستطع أحد إنجازه ممن تلوه له في تولي أمر الوزارة العريقة حتى استقلت لتصبح وزارة قائمة بذاتها ويتولاها أثري من أبنائها..
وإذا كان من ملاحظات فهل يوجد بيننا من هو معصوم من الخطأ؟؛ على أن بعض تلك الملاحظات تدخل في نطاق الظن؛ وبعض الظن إثم كما تعلمون؛ لأن كثيراً منها ارتكبها أشخاص كانت لهم مصالح شخصية لم يجبها أو يحققها لهم الوزير؛ ومن ثم فعلى من يحكم على غيره أن يكون منصفاً فيحكم على العموم؛ ويرى النصف الممتلئ من الكوب ولا يحكم من منظوره الضيق؛ ومن النقطة التي تؤرقه التي لم يستطع معها جني ثمار والحصول على امتيازات ربما بل المؤكد أنها لو تحققت كانت ستتم على حساب آخرين.
أقول ذلك لأنه لو كانت هناك إدارة رشيدة لكان على وزير السياحة والآثار د. خالد العناني الإشارة إلى جهود من سبقوه في تولي المسئولية وبناء الصروح الحضارية وعلى رأسهم بالطبع الفنان فاروق حسني؛ فإذا لم يكن الظرف قد سمح لدعوته ضمن الحضور لاعتبارات ربما رآها الوزير محرجة له؛ فلم يكن أقل من توجيه التحية له ولو بإيجاز شديد أو إشارة عابرة وهذا هو التحضر وهذا هو الإنصاف لرجل أضاف كثيراً للمسيرة الحضارية والثقافية المصرية لأن د خالد العناني لم يضف شيئاً على ما تم انجازه من قبل؛ وكان هنا مثل من أتى ليقطف ثمرة زرع لم يحرث أرضه ويرعاها حتى مرحلة الإثمار.
الطريف في الأمر أن سلوك د العناني غير بعيد عنه تصرف بعض الملوك في مصر القديمة ممن جمعهم طابور العرض وهم في طريقهم إلى مستقرهم الأخير إلى متحف الحضارة؛ منهم على سبيل المثال الملك تحوتمس الثالث الذي تعامل بمنتهى القسوة مع كل ما يخص الملكة حتشبسوت؛ فإذا كان قد أمر عماله بتحطيم آثارها فإنه أيضاً أمر الآخرين بمحو اسمها من سجلات الحكم لا لشيء إلا ليقول إنه كان الملك حتى وهو مايزال طفلاً صغيراً تقوم على رعايته عمته الملكة حتشيسوت التي ما لجأت إلى ما لجأت إليه إلا خوفاً على العرش ومن القلاقل التي كانت قد بدأت تتوالد في أماكن نفوذ الإمبرطورية المصرية.
ومثلما فعل تحوتمس الثالث سار على نهجه الملوك الذين تولوا الأمر من بعد إخناتون وهم على الترتيب توت عنخ آمون؛ وسمنخ كارع وتوت عنخ آمون؛ وآي؛ وصولاً إلى الملك حورمحب الذي أزال كل ما يخص الملك إخناتون ودعوته الدينية.
وفي عصر الأسرة التاسعة عشرة تكرر الأمر نفسه من جانب الملك رمسيس الثاني الذي تجرأ واستولى على تراث سابقيه؛ بل وربما وجه عماله وفنانيه بكشط أسماء كثير من الملوك من على تماثيلهم وإعادة كتابة اسم جلالته عليها!؛ أما التماثيل والآثار التي فشلوا في كشط أسماء أصحابها الأصليين فقد قاموا بطمس الأسماء بمادة الملاط أو أو الجبس وإعلادة كتابة اسم رمسيس عليها في عملية سطو فجة لم تكن لتتم لولا توفير غطاء من الحماية من جانب الملك؛ ومن عجب أن تلك المادة تساقطت في أزمنة تالية وكشفت لنا عن أغرب عملية سطو على منجزات الآخرين!.
وربما دل ذلك وغيره أن عمليات الكشط والطمس كانت عادة مصرية قديمة ولدت لكي لتستمر حتى أدركتنا وعاصرناها؛ فما أكثرهم هؤلاء الذين لا يرون إلا أنفسهم؛ ولا يرون فضلاً لمن سبقهم إلى مواقعهم؛ وقد تناسوا في غمرة انتشائهم أن الغد لن يكون لهم ومثلما فعلوا سيأتي من يتصرف مع تراثهم بمثل ما تصرفوا هم مع تراث سابقيهم وربما زيادة.
أقول في النهية إنه لم يكن سينتقص من قدر ومقام الوزير لو قدم التحية إلى من سبقوه إلى موقعه وأبلوا فيه البلاء الحسن خصوصاً وأن السيد رئيس الجمهورية كثيراً ما أشاد بجهود قادة سابقين وخلد أسمائهم بإطلاقها على طرق ومحاور وكباري وقواعد ومعدات وغيرها.
لكن يبدو أن كل مسئول بات يخشى الإنصاف وهو يظن أن ذلك الفعل الحميد سوف ينال من قدره أمام رؤسائه وربما يفقده كرسيه او يطيح بحقيبته.
عموماً التاريخ لا يرحم لأن الحقيقة مهما كان قدر أو منزلة من حاول كشطها وطمسها يقوض الله للمظلوم من ينتصر له ويبرز جهوده وأفضاله؛ وفي كل الأحوال فإن بصمات فاروق حسني كانت نحتاً غائراً أي لن ينفع معها كشط ولا حتى طمس وستظل مثل الشمس ساطعة على الدوام.