الجمعة 17 سبتمبر 2021 12:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور حمدى الجابرى يكتب : المصنع والنفوس فى (جراجوس)

الدكتور حمدى الجابرى
الدكتور حمدى الجابرى

كثيرا ماكان الخال عبد الرحمن الأبنودى يفخر بمصنع جراجوس للفخار لذلك تحمست لطلب محافظ قنا وقتها اللواء عادل لبيب فرقة رضا لتقديم عروضها هناك ممنيا النفس بزيارة جراجوس ومصنعها والتعرف على جديد المحافظ المهتم بالفنون الشعبية وإتاحة الفرصة لأهالى المحافظة لمشاهدة رقصات فرقة رضا ، وبالفعل كانت فرصة لإكتشاف الجديد الذى يحدث فى المحافظة الذى لخصه لى المصور أمير بقوله (هذه ليست قنا التى ولدت فيها) ولم تتحقق زيارة جراجوس بسبب إقبال الأهالى على لقاء مع الخال وضيوفه فى شادر كبير كان عدد الوقوف خارجه أكثر من الجلوس داخله فتم رفع (تاركات الفراشة) ليشاهد ويسمع الناس قصائد الخال وبعض أهم شعراء مصر .. والحقيقة أنه كان جمهورا مثاليا لا يحلم به أى مبدع ولا يمكن رفض طلبه إستعادة قصيدة أو طلبه المزيد منها يومها كان كل شاعر .. ولا عبد الحليم حافظ .. ويومها بسبب هذه الحالة الفريدة ضاع منى موعد زيارة جراجوس رغم أنفى ببساطة لأنه كان من الصعب انتزاع زملاء الزيارة من مقاعدهم فضلا عن استحالة العثور على المرافق المكلف من قبل المحافظة.. وضاعت زيارة جراجوس .. فى القاهرة كلما قلت له ضيعت علينا جراجوس ياخال كانت إجابته تتعوض ان شاء الله لكن بذمتك عمرك شفت زى جمال أهالينا هناك .. ناسنا الثقافة منحوتة جواها ..
هذه الأيام عادت ذكريات جراجوس وقنا والخال وجمال أهالينا هناك وشوقهم للفن الجميل والمشاركة فى صناعته وتلقيه بقوة مع إستغاثة مصنع جراجوس للخزف بوزيرة الثقافة ..
و.. لا أظن أن صرخات استغاثة مصنع الفخار بقرية (جراجوس) المتكررة بالسيدة وزيرة الثقافة وآخرها منذ أيام قليلة ستكون مجدية .. ببساطة لأن هناك حكما للمحكمة بتسليم المصنع للجهة المالكة وهى الكنيسة الكاثوليكية وعلى المستأجرين تنفيذه وتم ذلك بالفعل الأسبوع الماضى .. ولأن الحكم عنوان الحقيقة ولعدم قدرة الوزيرة أو من هو أكبر منها على مخالفة حكم المحكمة فليس من المنتظر أو المتوقع حدوث مايخالفه .. قانونا .. وبالتالى ليس من العدل إقحام الوزيرة فى الأمر لتتحمل النتائج الحتمية للفشل فى إنقاذه ومعه هذه الصناعة الشعبية إذا ماكان هناك بالفعل ما يؤكد وجود هذا الخطر والفشل الناتج عن إغلاق المصنع وكأن الوزيرة ناقصها مثل ذلك .. الفشل .. مع أنها هذه المرة منه .. بريئة ..
وفى الحقيقة أن إدعاء هذا الفشل المتمثل فى إغلاق المصنع وفق مانشر من قول المستأجر (نعلن اندرثار أخر الصناعات الشعبية اليدوية، وأكثر من 30 أسرة أصبحت بدون عائد مادي) يخالف ما أعلنته الكنيسة والأب ماركو ناجي، وكيل مطرانية الأقباط الكاثوليك بطيبة (إن مستأجرى المصنع قاموا بالتلاعب بالأفران بحجة التطوير ولذلك تم مقاضاتهم واخراجهم مؤكدا أن المصنع ومابداخله من معدات مملوك للكنيسة ولذلك صدر حكما قضائيا لصالح الكنيسة) ..
وبعيدا عن المبالغات وحقيقة إندثار آخر الصناعات الشعبية اليدوية من عدمه وتضرر 30 أسرة ماديا فى قرية جراجوس فان صناعة الفخار ليست قاصرة على جراجوس وحدها فى قنا فهناك قرى منتجة لنفس الصناعة .. قرى حجازة والطويرات والمحروسة والشيخ على .. وهذا لا يعنى ترك صناعة الفخار فى جراجوس للخطر بعد ما حققته منتجاتها من سمعة فى الداخل والخارج بل العمل على الحفاظ عليها وتطويرها وهو ما أكدته الكنيسة وممثلها ..
وفى الحقيقة لابد من الأخذ فى الإعتبار الجهود المشكورة التى قامت بها منذ سنوات بعيدة الكنيسة والأب مونجولوفييه الفرنسى الذى أدخل هذه الصناعة هناك كأحد مجالات الرزق الجديدة بجانب الزراعة لأهل جراجوس فى مصنع شيده مهندس عمارة الفقراء حسن فتحى متوافقا مع البيئة ومستخدما لموادها فى نفس الوقت والتى كان من الواجب الحصول على موافقة الكنيسة مسبقا على أى تغيير فيها وهو ما أظن أنه تم مخالفته وبالتالى الحكم لصالح الكنيسة ..
من ناحية أخرى لا أظن أنه من صالح أحد ، الكنيسة أو المستأجر أو أهالى جراجوس إغلاق أو فقدان هذا المصنع الهام بعمارته المميزة وقبابه التاريخية التى أصبحت والمصنع ذاته أحد المعالم السياحية لجراجوس والمحافظة الى جانب قيمته الإنتاجية ودوره فى تنمية القرية منذ الأربعينيات بجهود الجمعية الكاثوليكية للمدارس المصرية التى أصبح اسمها (جمعية الصعيد للتنمية) وحتى اليوم .. يبقى الأمل فى العمل – بحكم المحكمة أو بالتوافق والتراضى بين الجميع كلما أمكن - على فتح المصنع فى أقرب وقت وبنفس إمكانياته القديمة الى حين الوصول - بعد الدراسة الجادة - الى الشكل الأمثل لتطويره إذا كانت هناك حاجة فعلية الى ذلك وبما لا يتعارض مع تاريخه ومعطياته ونتائجه لتعم فوائده على الجميع .. وأرباحه ..
و.. بالمناسبة .. جراجوس هذه نفسها قدمت فى القرن الرابع الميلادى للعالم القديسة فيرينا التى تتزين كنائس أوروبا بتمثالها الى اليوم وفى يديها مشط وجرة ماء وأفادت هذا العالم وقتها بالعلاج والدواء و.. النظافة .. وأعتقد أنه من أجل فيرينا يتوافد بعض السياح على جراجوس فلا أقل من أن تعود الى المزارات السياحية والدعاية لها و.. الحفاظ على مصنعها وتخصيص بعض إنتاجه لها ولأجدادنا .. الكتيبة الطيبية التى فقدت حياتها ولم تفقد ايمانها .. ولا أظن أن كل ذلك قد غاب عن الأجانب وبالذات الفرنسيين الذين ساهموا فى إحياء جراجوس فى العصر الحديث .. وعلينا كملاك ومستأجرين ومبدعين مستفيدين هناك من مصنع الفخار فى جراجوس ألا نقل عنهم بحال من الأحوال ..