الجمعة 24 سبتمبر 2021 02:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور احمد الباسوسي يكتب : فلسطين ومعجزة الفكاك من الطوق والاسورة

الدكتور احمد الباسوسي
الدكتور احمد الباسوسي

الانتفاضات الشعبية العربية التي اكتسحت شوارع غالبية المدن العربية في اواخر عام 2010 وحتى الآن لم تكن مثالية جدا. كان هناك بون شاسع بين تطلعات الشباب الثائر وتوقهم الى لعب ادوار فاعلة في اوطانهم عن طريق المشاركة الفعلية في ادارة شئون بلادهم، وخروجهم من دوائر التهميش والاقصاء، والقضاء على الفساد والاستبداد بالحكم، ووضع حد للقمع الأمني المتواصل لحرية الرأي والتعبير. وبين رغبة آخرون سواء من خارج تلك البلدان أو داخلها في استثمار نتائج عمليات الاستبداد المطلق للحكم والحكام وكذلك طاقات الشباب الطامح الى التغيير، من أجل تنفيذ اجندات محلية ودولية، أهم بنودها الاحتفاظ بتوهج حالات الفوضى وعدم الاستقرار في تلك البلدان، وتكريس نفوذ الاسلامويون على رأس كل سلطة باعتبارهم الأقرب الى طمأنتهم على الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية في هذه البلدان.

يبدو ان دول الطوق العربي المحيط أو المهدد للدولة العبرية الصهيونية التي تم الاعلان عن نشأتها عام 1948 كان لها النصيب الأعظم من الدخول في حالة الفوضى وعدم الاستقرار مثل مصر التي انقذها تلاحم شعبها مع جيشها في صورة فريدة من صور التماسك الاجتماعي الشعبي. وسوريا التي انهارت ودخلت في اتون حرب ميلشيات أهلية بين الاسلاميين وبعضهم، وكانت في السابق تمثل شوكة في حلق تلك الدولة العبرية المتمردة حتى قبل عام 2011 .

وكذلك دولتي لبنان والاردن، وقد انشغلت كل دولة منهما واستماتت في الحفاظ على تماسكها من كل مظاهر التهديد بالتفكك والانهيار ولاتزال حتى الآن.

ومن الناحية الأخرى اختفت عراق صدام حسين، الدولة العربية الكبيرة التي ازعجت الدولة العبرية بطموحاتها، وتطلعاتها وتهديداتها أحيانا، وطالتها أهوال التفكك والاحتراب الأهلي المذهبي.

ان استراتيجية الحروب بالوكالة، تزامنا مع (أو لاحقا عليه) ما اطلق عليه استراتيجية حروب الجيل الرابع التي تعتمد على الحملات الدعائية العظيمة، وبث الشائعات والاكاذيب، وتوجيه وسائل التواصل الاجتماعي لخدمة الأغراض الاستراتيجية، وضخ الأموال من اجل تجنيد وتسليح الارهابيين المحليين والاجانب ... الخ نجحتا بامتياز في تفكيك الطوق والاسورة الذين كانا يحيطا بالدولة العبرية الصهيونية، لدرجة ان أصبح الفضاء حول هذه الدولة ساكنا، آمن وغير مزعج، بل وفي كثير من الأحيان مساندا لوجهة نظر الدولة الصهيونية، أومتحالفا معها.

لكن تغير كل شيء فجأة، انفجر غضب الشباب في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية بسبب حكم محكمة لصالح متطرفين يهود زعموا ملكيتهم لعدة منازل بصكوك ملكية لها قبل مائة عام، وبناء عليه حكمت المحكمة بطرد هذه العائلات من منازلهم.

بالطبع لم تكن الحادثة الأولى، بل سبقها حوادث كثيرة، وكانت تلك الحادثة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. الشيخ جراح ذلك الرجل الغامض الهوية الذي توفي قبل قرابة الف عام، والذي يحمل الحي القديم بالجانب الشرقي لمدينة القدس الشرقية اسمه ربما يكون الحجر الذي القي في الماء الراكد منذ احد عشر عاما، انشغل فيها قادة الكيان الصهيوني وحلفائه بشرزمة وتشريد وتفكيك بلدان الطوق والاسورة، وتنظيف الفضاء من حولهم من دون أي ازعاج.

ان أخطر ما يواجه الكيان الصهيوني المحتل الآن مواجهات فلسطيني الداخل الذين قرروا وضع حد للاحتلال بعد كل هذه السنوات.

ان ظهور عرب 1948 احفاد الفلسطينيين الذين أصروا على البقاء داخل فلسطين وتحمل أهوال القتل والتشريد والقمع في المعادلة وغضبهم بهذه الصورة يعكس تغيرات دراماتيكية في تفكير الشباب الفلسطيني المعاصر. فقد قرروا وضع حد للغطرسة التي تملكت رؤس قادة الكيان المحتل لفلسطين وتملكت أيضا رؤس المستوطنين والمتطرفين، وانهاء احلامهم بالنوم هانئين داخل كيان احتلوه بالقتل والخديعة والغدر والتحالف مع أشرار كبار استهدفوا تمرير مصالحهم الاستراتيجية العليا عن طريق دعم هذا الكيان الوليد.

ان الثورة التي قامت في القدس الشرقية وبعض بلدان فلسطين القديمة تظهر الأمل في امكانية زوال دولة الاحتلال وعودتها لسكانها الاصليين. وان فكرة دول الطوق التي نحتها الرئيس ناصر في ستينيات القرن الماضي افادت الكيان المحتل كثيرا في خلق دعاية كاذبة تتعلق بالمظلومية وحق الرعب من جيرانه الوحوش المتربصين لافتراسه، وعلى هذا الاساس استحق هذا الكيان التعاطف والدعم والتأييد الاستراتيجي والسياسي عند ممارسته لكافة صور العدوان والعدائية، سواء في التوسع والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، أو العدوان على جيرانه لتركيعهم. الآن مع ثورة شباب قرية الشيخ جراح والقرى المشابهة التي يسعى المستوطنين المتطرفين لاخراج سكانها منها، وانتفاضة الجميع في الضفة الغربية وغزة يبدو ان ساعة الحسم والاستقلال قد أتت.

الغلاف الدولي الداعم للكيان المحتل لم يعد مهيئا بقوة مثل الماضي لدعم الكيان الوحيد على كوكب الأرض الذي يمارس سياسة الفصل العنصري والتطهير العرقي والقتل بهذه الصورة البشعة، ويذهب مندوبه في مجلس الأمن وتحت ابطه نص قديم من كتاب مقدس مكتوب منذ قرون بعيدة يستشهد به عن مشروعية احتلاله لفلسطين!. هل هناك بؤس أكثر من هذا ؟ لا يوجد بالطبع، ولم تعد الأجيال المعاصرة سواء في فلسطين أو غيرها من بقاع العالم المتمدين تستطيع قبول هذه الأمور الآن.

ان الغطرسة ومشاعر القوة والعظمة التي تملكت عقول المتطرفين من المستوطنين وقادة الكيان الصهيوني وقراءتهم لواقع الطوق والاسورة المحيط بهم ابعدتهم كثيرا عن رؤية الحقيقة والوقائع الآنية، وتسببت في جمود تفكيرهم عند عقود سالفة، لذلك لم يتمكنوا من ادراك التغيرات الحادثة في أفكار ومفاهيم الشباب الفلسطيني المعاصر الذي يتوق ويصر على التحرر والاستقلال عن دولة شريرة حتى لو قدمت له بعض من المدنية والحداثة على الطريقة الغربية.

كذلك أيقن هؤلاء الشباب الأحرار الذين يتظاهرون في شوارع وحواري القدس القديمة، وكل فلسطين ان فكرة دول الطوق والاسورة مجرد وهم عاشه اجيال سابقة عليهم، وان عليهم ان يحرروا انفسهم بانفسهم، وان طريق النضال بدأ وسوف ينتهي بالاستقلال والتحرر واستعادة فلسطين حرة مستقلة.