السبت 25 سبتمبر 2021 09:33 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور حمدى الجابرى يكتب : كل واحد يروح لحاله..اسلم..راجع نفسك ياسيد ..

الدكتور حمدى الجالرى
الدكتور حمدى الجالرى

أثناء معركة تحرير مدخل حديقة الأطفال الثقافية بالسيدة زينب الذى إحتلته عجوز تعبتنا وتعبت أهلها ولم يقدر على إزاحتها أحد ، أقام المركز القومى لثقافة الطفل إحتفالا بسيطا بجهود أطفال فرقة المركز للموسيقى والغناء فى ضيافة المسرح القومى صباحا .. يومها فاجأنى طلعت هارون مدير العلاقات العامة بالمركز بإحضار طفلة صغيرة طويلة بصورة لافتة للنظر ترتدى ملابس مدرسة إعدادية .. قميص أبيض وجيب رمادى لا يتجاوز عمرها 13-14 سنة تقريبا .. كان مع الفتاة عازف كمان وشخص آخر قال طلعت أنه خالها طالبا السماح لها بالغناء فى الإحتفال .. ولما كان الحفل بسيطا بالغ التواضع وافقت بعد أخذ رأى الضيوف الكبار أ. سمير غريب رئيس صندوق التنمية الثقافية وقتها وعم صلاح السقا وعم بدر شديد رحمهما الله لأننى وعدتهم ألا يزيد الإحتفال عن ساعة..
استمرت فقرات عزف وغناء الأطفال عادية تماما الى أن ظهرت الطفلة الطويلة الصغيرة فى نهاية الحفل لتغنى دقائق قليلة كما إتفقنا .. يومها كان تعليق صاحب القلب الكبير عمنا صلاح السقا .. ياسيدى بجملة ..يعنى هى جت عليها.. سيبها تغنى خليها تفرح هى وأهلها ..
وقفت الطفلة الطويلة تحاول كثيرا رفع الميكروفون ليناسبها دون جدوى بينما عازف الكمان يعزف مقدمة موسيقية الى أن تدخل عامل الصوت وأثناء قيامه بذلك فوجئنا جميعا بإنطلاق صوت جميل مدرب بالغ القوة لم يؤثر فيه تعليق عامل الصوت المسموع (ماشاء الله .. هى دى عايزة ميكروفون) وابتسمنا لتلقائيته بينما أشارت للعازف بالإعادة وماتكاد تنتهى إلا ويطالبها الحضور بالمزيد .. وبسعادة طفولية تستجيب رغم صعوبة أغنية أم كلثوم التى تؤديها .. يومها كانت بالفعل مفاجأة .. قوة وجمال صوت موهوب مدرب منح الإحتفال البسيط قيمة ومعنى .. وتصور الحضور من غير أهالى أطفال الفرقة المحتفى بهم وبالذات كبار الضيوف أن الفتاة الصغيرة الطويلة الرائعة من بنات فرقة المركز الغنائية للأطفال التى يرأسها المايسترو محمد عبد العزيز وتأكيدا لما كنت أقوله لهم من قبل عن مواهب أطفال مصر الكبيرة التى تحتاج دعم وزارة الثقافة سارعت بتعريفهم أنها مفاجأة سارة لى وللمايسترو وأطفال الفرقة وأهاليهم وهى مثلهم أكبر دليل على ثراء مصر بأطفالها الموهوبين .. يومها بلغ الإعجاب والحماس لهذه الطفلة الموهوبة أشده وارتفع صوت ثناء عم صلاح السقا وبدر شديد بينما جسد سمير غريب ثناءه بمنحها على المسرح مكافأة مالية قدرها مائتى جنيه لم أعرف ساعتها وحتى اليوم هل هى من جيبه الخاص أم من ميزانية الصندوق .. وداعبته وقتها بدعوته الى حضور حفلات فرقة الأطفال فى الحديقة الثقافية بشرط أن يجهز نفسه ويعمر جيبه فلدينا أطفال أصحاب مواهب كثر .. وبالفعل كان أحد فوائد فقرة الطفلة الطويلة الموهوبة هو حرص سمير غريب على تزويد المركز ببعض الأجهزة والآلات الموسيقية اللازمة لفرقة الأطفال وخيمة ومدرجات سيرك كامل من ميزانية المركز طبعا .. ولهذا حكاية أخرى ..
بعد شهور قليلة بدأت موهبتها تفرض نفسها وبدأنا نقرأ أخبارا عن إهتمام الرئيس حسنى مبارك وتخصيصه مبلغا شهريا لها وأمره بتهيئة الظروف اللازمة والمناسبة لغنائها أمام كبار ضيوف مصر ووزارة الإعلام ولذلك من يكن من الغريب أثناء التنسيق مع الأستاذ حمدى الكنيسى رئيس الإذاعة وقتها لحفل تقيمه وزارة الإعلام (التليفزيون) يستضيفه البيت الفنى للفنون الشعبية (مسرح البالون) أن تكون فقرات الحفل بجانب فرقة رضا بعض المقطوعات الموسيقية بقيادة المايسترو الكبير سامى نصير والغناء سيكون للفتاة الموهوبة التى كانت صغيرة وطويلة ومازالت كذلك .. وقتها ..
أيامها كان الكنيسى شديد الصراحة معى .. الحفل مهم جدا وسيتم تسجيله وستتكفل وزارة الإعلام (التليفزيون) بكل الأعباء بما فيها ملابس فرقة رضا وتجهيز المسرح بكل أجهزة الإضاءة والصوت الذى كان يهمنى كثيرا لوجود مشاكل فى الصوت لم يتم التغلب عليها وهو ماتم تذليله بمعدات وأجهزة كثيرة لايملكها البيت الفنى للفنون الشعبية .. وأيامها طلبت منه تركها فى المسرح على سبيل الإستعارة المستديمة لإستخدامها فى حفلاتهم المقبلة .. وطبعا لم تتم الموافقة لأنها عندهم فى التليفزيون .. عهدة ..
وقتها لتوافد معظم أمن التليفزيون على المسرح ودراسة مداخله ومخارجه وقبلهم وأحيانا معهم معظم قيادات إدارات الإذاعة والتليفزيون الفنية قلت للصديق الجميل حمدى الكنيسى .. (كده يعنى الواحد يروح يطلع البدلة اللى عليها القيمة .. بدأت أشك أن الريس حايشرفنا) فقال ضاحكا .. لأ لكن كل شيىء سيعرفه من الضيوف .. وبالفعل لم يكن هناك موضعا لقدم فى قاعة كبار الزوار بالمسرح يوم الحفل .. وزراء بترول وخارجية عرب وكثير من أصحاب المناصب الهامة ورجال السياسة الذين نرى صورهم فى الصحف وأخبار التليفزيون وإن كان أحدهم تقريبا لم يعفر قدمه أو يلوث سمعه أو بصره عرض أى مسرح فى أحد الأيام أذكر من بينهم بالذات الدكتور اليمانى وزير البترول السعودى الذى احتفى كثيرا مثل معظم الحضور فى القاعة بالشابة فارعة الطول التى لم تكتمل معالم نموها بعد والتى تعدهم بجديد سيسعدهم دون أن تصرح به رغم طلب بعضهم معرفته الذى ردته بلباقة بقولها (الجديد يتسمع مش يتحكى يافندم ) وانصرفت لتحهز نفسها .. وقتها أعجبتنى لباقتها وحسن تصرفها وابتسمت عندما تذكرت سلامة القس وفيلم أم كلثوم الشهير وأبو الوفا أبو الوفا .. بعد دقائق من إنصرافها أشار لى مدير أمن المسرح وعلمت منه بوجود مشكلة على الباب .. البنت فارعة الطول تتشاجر معهم بصوت مرتفع وتكاد تشتبك مع من يمنع أهلها من الدخول قبل فتح الباب للجمهور .. وبالطبع تم حل المشكلة على الفور بدخولهم ورغم ابتسامتها لقولى (خلصت الحكاية ..وفرى صوتك يانجمة للأهم ) (يرضيك يمنعوا أهلى ويمنعونى) (حصل خير) وهمست لها (ادخلى عرفيهم انت مين وقابليهم بعد الحفل) ونسيت الفتاة التى لم يكتمل نموها عندما انصرفت مسرعة الإعتذار أو الشكر مكتفية بتحدى طفولى تماما (حايشوفوا وحاأرجع لهم ) ومنعت طبعا من كان يريد من كونترول الباب الرد عليها فاكتفى بقوله (عيلة) (أحسنتم يارجالة وقمتم بعملكم .. بس بذمتكم ماعجبكمشى دفاعها زى الرجالة عن أهلها ..) بعد الحفل كان أول مافعلته حتى قبل استقبال المهنئين وكبار الضيوف ، ذهبت الفتاة فارعة الطول التى لم يكتمل نموها الى رجال الأمن تطيب خاطرهم بعد أن غير الماكياج والملابس شكلها واحتاج الأمر بعض الوقت للتعرف عليها ولم ينتظر بعضهم إكتمال كلماتها الطيبة لهم فقاطعتها عبارات الثناء والإعجاب و(تعالى كل يوم إنت وأهلك .. تستاهلى وربنا يحميكى ) وطبعا أصبح حقا لهم .. مكافأة إجادة ..
مرت الأيام وكبرت الفتاة فارعة الطول وإكتمل نموها الجسدى ومعه قوة وحلاوة صوتها وقدرتها الفائقة على أداء أغانى أم كلثوم وإحتلت صاحبة الصوت الفريد مكانة كبيرة لدى الناس ومنهم كثر ينتظرون جديدها بعيدا عن أم كلثوم وبالطبع لم يكن معظمه محققا لذلك الحلم .. ورغم ذلك ظل الأمل قائما ومايزال حتى بعد دخولها فى متاهات شخصية ربما يكون بعضها بسبب عنفها وتسرعها وربما يكون بسبب برها بأهلها والأهم إعتزازها بنفسها وفنها الذى أتصور أن يكون أحد عوامل عدم استقرارها خصوصا إذا ما اصطدم مع خيلاء الثروة وقدرات ونفوذ أصحابها الذين قد يصل بعضهم الى محاولة القضاء على إبداعها نفسه ومعه الأمل الذى لم يفقده أهل مصر وكل من يأمل فى إستعادة جمال الرقى والتحضر والغناء والسميعة بجد فى عالمنا العربى ..
فى النهاية .. رغم إنتقال بعض أهل النخوة والشهامة والمعرفة بالفن وقيمته مثل عم صلاح السقا وبدر شديد وبعض الحكام الرئيس حسنى مبارك وصفوت الشريف والدكتور اليمانى الى رحمة الله ورغم حرص كثير من أهل الفن ونقاباتهم وشركات الصحافة والإعلام على لقمة العيش ، لا أظن أنه سيكون مرضيا أو سهلا أو حتى ممكنا السماح بضياع هذا الأمل بسبب مخالفة عقد عمل مناط الحكم فيه للقضاء أو لخلافات شخصية أمر البت فيها .. للضمير .. هذا .. حتى لا يصل الأمر ليس فقط للدفاع عن فن وصوت جميل نادر الوجود بل الى الدفاع عن .. بنت مصر .. آمال ماهر..
من فضلك .. لا تبغى أو تتجبر فمادامت لأحد حكام ومحكومين ، فتوات وبلطجية وأفاضل ، أميرات فى القصور أو حتى عجوز عجبتها الحديقة الثقافية فاحتلت مدخلها.. العقل زينة .. و.. كل واحد يروح لحاله .. أسلم .. راجع نفسك ياسيد ..