الإثنين 4 مارس 2024 09:29 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم بكتب : موكب وداع يليق بصاحبه

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

أنعي إلي الورع أحد رجاله ، وانعي إلي الزهد أحد أفراده، وأنعي إلي الذكر فارس من فرسانه ، أنعي إلي الإنسانية إنسان عظيم وشيخ جليل .

أنعي إلي الأزهر الشريف رجل من كبار رجالاته ، وعالم من زمرة العلماء العاملين .
أنعي للعالم العارف بالله فضيلة الشيخ الطاهر محمد أحمد الطاهر الحامدي أمين عام اللجنة العليا للدعوة بالأزهر الشريف وشيخ الطريقة الخلوتية والذي ورثها عن والده العارف بالله والعلامة المحقق الشيخ محمد أحمد الطاهر الحامدى ، عن جده العارف بالله الشيخ أحمد الطاهر الحامدى عن القطب الرباني العارف بالله أحمد بن شرقاوي .

لقد نلت شرف العمل معه في مجلة الأزهر العريقة ، وكان مؤمنا بي ، وكنت ولأول مرة في تاريخ المجلة والتي أنشئت عام ١٩٣٠ أدخل فيها الحوار الصحفي باعتباره لون يكمل أطر المعرفة بجوار المقالات الثابتة والتي درجت عليها المجلة منذ نشأتها حتي الآن .

لقد أجريت العديد من الحوارات علي صفحاتها بموافقته وتشجيعه ، حاورت الأستاذ الدكتور أحمد هيكل وزير الثقافة ، والدكتور أحمد كمال أبو المجد وزير الإعلام ، والدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف ، والعالم الجليل الأستاذ الدكتور/محمد سيد أحمد المسير ، والدكتور مصطفى الشكعة المستشار الثقافي لسفارة مصر في واشنطن ، والقطب الصوفي جودة المهدي ، ، والفقيه الأستاذ الدكتور رأفت عثمان والأستاذ الدكتور عبد الرحمن العدوي ، وغيرهم .
وكان العارف بالله فضيلة الشيخ الطاهر في كل مرة يثني علي الحوار ويطلب المزيد.
وبعد أن تركت المجلة لم تنقطع علاقتنا وحواراتنا ، سواء اثناء رئاسته لمكتبة الأزهر ، وأمانة الدعوة بالأزهر الشريف ، حتي بعد خروجي علي المعاش كنت اهاتفه ، اتلمس البركة .
حتي ترجل عن صهوة جواده أول أمس في وداع يليق به ، ومشهد يتمناه اي عظيم .

ترجل بعد أن أدى ماعليه من واجبات تجاه الله وتجاه خلق الله .. ترك الدنيا بعد أن جعل منها مطية للآخرة .. وتاجر مع الله علما وعملا ، فاستحق هذا الوداع اللائق ، حيث شيعه الآلاف من أهالى قريته أرمنت الحيط وقري مركز أرمنت غرب الأقصر، في منظر تعجز مفردات اللغة العربية علي غناها وكثرة مفرداتها من صياغة كلمات تحدد بوضوح حجم وعمق وكنه الوادع ، حيث غطي نعش الشيخ بسعف النخيل والورود وحمل علي الاكتاف وسط صيحات التكبير والبكاء على رحيل القطب الصوفى، من المسجد حتى مقام الشيخ الطاهر الحامدي والذي دفن فيه ، وأطلقت النساء للزغاريد خلال الحنازة المهيبة التي اصطفت فيها السيدات على الجانبين وفي الطرقات الجانبية ،ومن نوافد المنازل مودعات الشيخ الجليل . بكل تأكيد كان موكب وداع يليق بصاحبه .
ولما لا ؟ ألم يكن من الذين يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة ، وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية ، يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله .. فاللهم وفه أجره وزده من فضلك ، واجعله من الذين قلت في حقهم : ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ، ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ) .

لاشك أنه سيترك فراغا على كل صعيد ، فراغا في القلوب التي طالما انفتحت لتنال من فيض علمه وصلاحه .. فراغا في النفوس التي طالما اطمأنت إلى نصحه وتوجيهه .. فراغا في الألسن التي طالما لهجت بذكر الله في حضرته .. فراغا .. وفراغا .. وفراغا .. وإنا لله وإنا إليه راجعون .

لقد رحل الشيخ الجليل عن الدنيا بعد أن أعطى الخير لخلق الله دون حساب .. ولم يأخذ مقابلا من مخلوق .. لأنه كان يتاجر مع الله .. ولا يريد جزاءا ولا شكورا إلا من خالق السماوات والأرض .

أشهد أنه افني عمره منذ عرفته في علم ٢٠٠١ في طلب العلم
وبيانه؛ فاستحق التوقير والاجلال لرسوخ قدمه في العلم
وكان من الذين عرفوا بحسن القصد وصالح العمل وصحة المعتقد واتباع منهج السلف الصالح، الذين بذلوا أعمارهم في طلب العلم ونشره وأوتوا حظا من الورع، هؤلاء لهم مكانة سامقة بين الناس، فستحق ذلك الوداع المهيب ، ولما لا ؟وهو من الذين شهدت لهم الأمة بالورع والزهد والعلم .

نشهد سيدي المترجل بأنك اقتحمت الحياة اقتحاما ، ودخلت في غمارها ومشكلاتها وأثرت فيها ، وتركت بصمة لك في سفر الخلود !!
فالعبرة في نظرنا شيخنا بما يتركه المرء في الحياة للحياة ، وبمقدار ما يعبد طريق من طرق الحياة ليهتدي به المارة إلي الغايات المرجوة. وأنت تركت الكثير من المواقف والأعمال والأقوال ، فرحلت وأنت قمة سامقة شامخة ، وسجلت لنفسك بنفسك إسما ناصعا علي صفحات الخلود .

شيخنا الأجل ، عذرا لعدم وجودي بين مودعيك ،كم كنت أتمني أن أكون بينهم أرقبك عن قرب ، وأنت تسير عن عالمنا ثابت الخطا، واضح النهج، ممتد الدرب نحو جنة الرضوان!!؟

سيدي.. خبر رحيلك أوجد فينا إحساساً تملكنا ، إحساس غريب بأن جبلا من جبال العلم والورع أنهد من أمامنا .

شيخنا الجليل : كيف العزاء فيك؟ وهل من يمسح دموعنا عليك؟ لسنا وحدنا سيدي الشيخ من سيبكيك بحرقة وغصة..
القرءان بآياته ومتشابهه.. الحديث بروايته ، مجلة الأزهر وصفحاتها وقرائها .

شيخي العظيم ،لقد افتقدنا فيك مدرسة بكاملها؟ أين سنجد بعدك تواضع العلماء ووقارهم ومهابتهم؟ من أين لنا بعدك بشجرة معطاءة وارفة الظلال ثمارها علم وتواضع وسخاء وأريحية أصلها ثابت وفرعها في السماء؟

سيدي الوقور : من أين لنا من بعدك بعالم زاهد طهور ورع لا يرفع عينيه في محدثيه حياء وتواضعا ؟!

يا للرزء الذي حل بالتواضع والاعتدال والوسطية وقد فقدت كل هذه القيم برحيلك فارسها الذي لا يشق له غبار..
يا لبؤس الأروقة العلمية وقد غابت عنها طلعتك البهية المنيرة وعلمك الذي لايعلى عليه!

سيدي الشيخ هذه دموعنا نقدمها إليك لتكون عوضا علي عدم مشاركتنا وداعك ، فنم هنيئا قرير البال وأنت الذي سرت باتجاه ملك الملوك على درب المحجة البيضاء الذي رسمته لنفسك وسرت عليه كما رسمه وسار عليه من قبلك أجدادك وآباؤك المنعمون.

وداعا سيدي الشيخ.. وانا لا أطيق الوداع ، ولكن ما الذي بمقدوري أن أفعله أكثر من التسليم بقضاء الله وقدره ، وأنت الذي ستبقى في قلوبنا وذاكرتنا إلى الأبد حتى بعد أن نودعك .

خالص عزاءي وكريم مواساتي للأسرة الأزهرية ، والاروقة العلمية ، والجلسات الروحية ،وقراء ومتابعي الشيخ ، والله أسأل أن يلحقه بالصفوه من الصالحين إنه ولي ذلك والقادر عليه.

3e45b25de04f.jpg