الأربعاء 21 فبراير 2024 07:58 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د وجيه محمود يكتب : عدم العلم لا يعني علم العدم

 د وجيه محمود
د وجيه محمود

عندما يريد الإنسان أن ينفي وجود شيء ما فإنه يبني ادعاءه على عدم علمه بالدليل على وجوده معتمدا في ذلك على عقله القاصر وعلمه المحدود .
فعندما يبحث المرء عن أحد الأشخاص في مكان ما ولا يجده فلا ينبغي أن يقول إنه ليس موجودا وإنما يخبره بأنه لم يره لكنه قد يكون موجودا إلا أنه لم يعثر عليه
فعدم علمه بوجوده ليس دليلا على عدم الوجود .
ولذلك تأتي هذه القاعدة المهمة لترد على كثير من المعترضين على أمور غيبية حجب الله إدراكها عن الإنسان كحياة البرزخ وحساب القبر مثلا فلا يدعي أنها غير موجودة لمجرد عدم علمه بها أو لعدم قدرته على إدراكها .
..ومن رحمة الله بالإنسان أنه حجب عنه كثيرا من الغيبيات التي أمره بالإيمان بها لأن طاقاته وقدراته لا تعينه على استقبالها واستيعابها فلا ينبغي عليه أن ينفيها لعدم قيام دليل الحس والمشاهده عليها
..ولما طلب موسى أن يرى ربه قال ( رب أرني أنظر إليك ) فقال له ربه ( لن تراني ) وعدم استجابة الله تعالى لطلب موسى ليس تقليلا من شأن موسى وإنما رحمة به لأن قدراته في هذه الدنيا وإمكاناته لا تؤهله لرؤية ربه حيث إن الجبل صار دكا بعد أن تجلى الله عليه فكيف بك أيها الانسان الضعيف
.. ويكفي الإنسان في هذه الحياة ذلك المنهج الرباني الذي وضعه ربه سبحانه ليبين له كيف يتعامل مع هذا الوجود بكل معطياته وتفصيلاته كما يجيبه عن الأسئلة التي لا يمكن أن يجد الإجابة عليها في غير وحي الله كأصل وجوده وعلة وجوده وكذلك إلى أين يكون مصيره .
والدين في نفس الوقت يأمره بالأخذ بأسباب العلم ليتمكن من الانتفاع بكل ما سخره الله له ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه )
فإذا كان الانسان مأمورا بالنظر في كتاب الله المسطور ( القرآن ) قراءة وفهما وتدبرا فإنه مأمور أيضا بالنظر في كتاب الله المنظور ( الكون ) وصولا إلى منشئه وخالقه ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق )
.. ومن ثم فإن الإنسان الذي يعتمد على علمه فقط في إعطاء صورة حقيقية عن الوجود فإنه لن يقدم صورة صادقة إلا بعد الرجوع إلى الدين الذي يهديه الاجابة عن تساؤلاته الكثيره عن الكون والوجود
فعلم الانسان قاصر وعلم الله حاصر
وعلم الانسان محدود وعلم الله ليس له حدود ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )
.. وإذا كانت هذه القاعدة تحذر من التسرع في إصدار الأحكام وتكشف عن محدودية علم الانسان وإدراكه فإنها تسفر عن مدى حاجة الإنسان إلى الدين الذي يزكي روحه ويهذب وجدانه فضلا عن إعانته له في رسم الطريق الصحيح لطموحه العلمي
.. فمنذ أن خلق الله الإنسان والدين لا يستغني عنه أحد لأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها حتى قال بعض مؤرخي اليونان : قد وجد في التاريخ مدن بلا حصون ومدن بلا قصور ومدن بلا مدارس ومدن بلا مصانع ولكن لا توجد أبدا مدن بلا معابد )
اللهم كما علمت آدم علمنا
وكما فهمت سليمان فهمنا ك
وكما أدبت حبيبك محمدا صلى الله عليه وسلم أدبنا