الأحد 21 أبريل 2024 01:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : قبل الخرس الاعظم.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

نادرا ماكان حكيم حارتنا وحماده النمام ان يلتقيا علي رأس الحاره ، مع ان حكيم حارتنا يعاود المرور برأس الحاره خمس مرات يوميا فيتاحشاه حماده النمام ويزوغ في أحد مداخل حاره السلطان حتي يمر حكيم الحاره من امام مدخل اختباؤه، وعندما يلمح ظهره قد استقبل وجهه يفر من مأمنه بعيدا عن مراره نصح الرجل الذي مافتئ مره ان يلقاه يحذره ان يمسك عن اكل جالسمين الذي ادي الي اصابته بالتخمه ووانسداد الشرايين كما ينصحه بالامساك عن النم علي اهل الحاره واستبدال احاديث اللغط والنميمه والبهتان بذكر الله فذكر الله اولي من نشر الضغينه ورمي البرئ بالباطل ، في كل مره يتقابلا فيها يكرر الحكيم كلماته فلايجد في حماده النمام اذن صاغيه تعي النصيحه.
والحكايه ان حماده النمام كان لايجد مشقه في اكل السمين ولامشقه في تبني جدالا واسعا حول قضيه لايخرج فيها الا منتصرا والا قوض اركان القضيه من الاصل ولعن التحدث فيها وكذا المتحدثين ، وبعد ان يبلغ الحكيم داره عائدا من احدي الصلواه ، يختبا ويتواري صاحبنا النمام حتي يطمئن انه استقر داخل بيته ، فيهرع عائدا الي راس الحاره حيث طاسه السمين الذي ثبتها عبده حلويات( هكذا اطلق عليه اهل الحاره) في عربه متنقله من الزجاج معلق عليها من الداخل جزء من الفشه والكبده وبعض من حبال السجق المجدول يعلن فيها بصراحه عن بضاعته التي تلقي رواجا عند أهل الحاره بدون اعلان ، تكفيهم الرائحه التي تعبأ الحاره وتتسلل الي البيوت تقرفهم ومنها يمتعضون بينما عم عبده حلويات منهمكا في عمله يضحك ويبيع الثمين للناس في ارغفه ومن يريد الغموس فالطبق الصاج جاهز يحمل سمينا وكبده وفشه وحلويات، وخلال وقفه حماده النمام امام عربه السمين يلتهم ماحل بالطبق من بلاوي سوداء يتلذذ بها ويأخذ حقه المبالغ فيه من القطم والبلع لان لسانه حينها يكن مشغولا بالاكل والكلام عن صفات هذا وذاك وعيوب هاتيك وتلك وسقطات العم ابو فتحي الذي دلل ابنه حتي خرج عن طوعه ، ويتسأل؟ وبالمره يسأل عبده حلويات ؟ لماذا تأتي بنت فلان الفلاني الي بيتها في الحاره في ساعه متأخره من الليل ، فلا يجيبه عم عبده فيجيب هو نفسه بما يشبعها من لذيذ التحدث ونم الحديث .
كان حماده النمام لديه يقين ان لسانه هذا في مأمن عن الامساك سواء بالنهر اوبالنصيحه اوحتي بالمرض ، لحظه واحده من لحظات رؤيه الموت هي التي اثرت فيه فقرر بعدها الامساك عن الكلام الا في الذكر ومايرضي الله لانه احس عندما نظر الي حكيم حارتنا وهو مسجي علي طاوله الغسل ان جسده كله امانه يمكن للمولي استردادها في اي وقت ،يالهوي اسود ماذا لومت الان وماذا سيكون شكل وجهي بعد ان اموت؟ هل سيكون مثل هذا الوجه الوردي المبتسم الذي لم يفتر لسانه يوما عن ذكر الله تحسبا لهذه اللحظه حيث يُربط ويصيبه الخرس ، ولكني اظن ان حكيم حارتنا لايعبأ الان بربط لسانه لان لسان جسده سلم الامانه حامد شاكره لروحه فأطلقت روحه تجوب السموات بقدره خالق السموات تجني سنوات الطاعه ، أما انا ياخبر اسود عليا ، ده مفيش حد سَلمُ من لساني الزلق ، ماذا سيكون شكلي وانا علي خشبه الغسل لومت الان ، اكيد سوف اكون مقتضب الجبين ، اسود الوجه ، فمي مفتوح مثل الغرقي يأبي انغلاقا كما عودته ، لا لا لابد من الامساك عن النميمه قبل ان يدركني الخرس الاعظم وانا علي هذا الحال ، لم تؤثر فيّ يوما كلمات الحكيم ولكن خرسه الاعظم اثر في ايما تأثير ، وحتي يراني الناس بعد موتي كما يرون حكيم حارتنا سوف اتبع خطاه، فسأل اهله عما كان يتلوه من ذكر فدلوه ،واخرجوا له مسبحته التي اوصي بها حكيم الحاره ان يرثها من بعده عبده النمام ، حينها كتم اهل بيته الضحك، ولكن حكيم حارتنا كان يتوسم في حماده شيئا ربما لايراه احدا غيره ،عندما انتهي عبده النمام من مراسم الدفن والعزاء بالحاره ، اوي الي فراشه في ساعه متأخره من الليل وادار مسبحه حكيم حارتنا بما تعلمه عليها من تسابيح ، فأتاه النوم بغته وهو يدير مسبحته التي ورثها اليوم وربما يورثها غدا ، الغريب في الامر ان عبده النمام لم ينقطع يوما عن زياره عربه عبده حلويات ملك السمين، بيد ان اهل الحاره لاحظوا صمته وهو يلتهم طبق حلويات السمين ، فاذا انتهي من اكل السمين ، تفرس في وجوه الاكيله عسي ان يري فيهم احدا يورثه سبحته التي ورثها يوم ان شاهد الخرس الاعظم قبل ان يجربه.