الإثنين 15 أبريل 2024 05:29 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

د.كمال يونس يكتب : لا تسل

دكتور كمال يونس
دكتور كمال يونس

ولد لعائلة مستورة ، مهذبا،ذكيا ،مجتهدا متفوقا حفظ القرآن ، التحق بكلية اللغة العربية بالأزهر ، فجأة أصبح يميل للعزلة،ترك دراسته ،عاد لقريته في الصعيد ،هام على وجهه، ستر نفسه بجوال من الخيش، حاملا جوالا أخر على كتفه،هجرت عائلته القرية لتسكن خارجها ،تاركة منزلهم القديم ليحيا بين أطلاله، لايؤذي ،لايزعج أحدا ، طلاب الأزهر كانوا يمتحنونه ويختبرونه ليفاجأهم بإجابات صائبة، عطفت القرية عليه، لايردون له طلبا، طرق باب أحدهم ،أعطني جلبابا ،يعطيه ،يرى الرجل الجلباب يرتديه فقيرا أخر،طلبته فأعطيتك إياه ،لم لم تلبسه،هو أولى مني،مادام خرج من معيتك لله فلا تسأل، يمر في شوارع القرية والجميع يناديه ليضع في الجوال ماتجود به أنفسهم أملا في دعوة منه،كانوا يتبركون به، يكمل طوافه بالبلدة على المسامين المقعدين المعوزين من الشيوخ والعواجيز ، والأرامل والأيتام، والطلاب الفقراء يوزع عليهم مافي الجوال، يردد في سيره أذكارا ، يقطعها حين يقابل اهل القرية نساء،ورجالا على اختلاف أحوالهم،ويلقي لكل إليه بإشارة،أعط الحق لأصحابه،دار فناء لابقاء،ياسعد من له ،ياتعس من عليه، لا تتعجلي استغفري الله يمددك ، أفق لاتغتر ، وحده الشافي المعافي، ومن العجب أنه كان لايقبل أن يضع العطايا في جواله أحد من الظالمين لأنفسهم وغيرهم ، مرددا طيب لايقبل إلا طيبا ، تحاشاه المذنبون من متجبرين ولصوص حتى لايصطدمهم بإشاراته ، يذهب للنسوة اللائي لديهن بنات يجهزنهن للزواج،ويطلب منهن أن يجعلن شيئا لله ممايجهزن به بناتهن ،فيمتثلن تبركا ،يجمع تلك الأشياء في جواله ليعيطهن لبنات فقيرات يتيمات ليستعن به على تجهيز أنفسهن، افتقده أهل القرية ،بحثوا عنه ،كل في اتجاه ،حتى وجدوه في فناء ممددا متخذا من جواله وسادة تحت شجرة على وجهه ابتسامة ، قضى نحبه ،بكاه الجميع، شيعته القرية كلها عن بكرة أبيها،شيوخا ، رجالا، نساء ،أطفالا، مرت أيام ،يراه العمدة في منامه مرتديا جلبابا أبيضا أنيقا،ووجهه يشع من النور ،أخبر العمدة أهل القرية بما رآه فأقاموا ضريحا ومسجدا ،يقيمون له مولدا سنويا،حيث يحتفي الأهالي ويمر عليهم أحدهم بجوال يضعون فيه تبرعاتهم ،ليوزعونها على أهل القرية.

522b2b8c9271.jpg