الأربعاء 4 مارس 2026 08:45 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

هدى حجاجى تكتب: حين صارت النهاية خبرًا عابرًا

الكاتبة الكبيرة هدى حجاجى
الكاتبة الكبيرة هدى حجاجى

كبرنا ونحن نظنّ أن النهاية خيال، مشهدًا أخيرًا في فيلم طويل تنطفئ بعده الشاشة ويعود الجميع إلى بيوتهم سالمين. كنا نعتقد أن الكوارث مبالغات درامية، وأن العالم — مهما اختلّ — سيعود إلى توازنه كما يعود الطفل إلى حضن أمه بعد خوفٍ عابر. لم نكن نتصور أن كلمة "نهاية" يمكن أن تكون يومًا خبرًا يُقرأ على عجل، بين إعلانٍ تجاري ونشرة طقس.

ثم كبرنا أكثر، وصارت النهاية تمرّ بين أيدينا كل صباح في نشرات الأخبار. لم تعد فكرة فلسفية ولا نبوءة غامضة، بل أرقامًا تتصاعد، وصورًا باهتة لمدنٍ تتغير ملامحها، وأصواتًا متقطعة لمراسلين يقفون عند حدود الدهشة. صرنا نلمحها في الحرائق البعيدة، في الحروب التي تبدأ باسمٍ وتنتهي بلا اسم، في الوجوه التي اعتادت الفقد حتى لم تعد تبكي كما ينبغي.

كأن كل ما رأيناه كان تدريبًا صامتًا على زمنٍ يُعاد فيه تشكيل العالم… ببطء. لم يحدث التحول دفعة واحدة، لم نستيقظ على صفارة إنذار كبرى، بل تسلّل التبدّل إلى تفاصيلنا الصغيرة؛ في طريقة حديثنا عن الغد، في خوفنا المكتوم على أطفالنا، في أسئلتنا التي لم تعد بريئة كما كانت. صار المستقبل فكرةً ثقيلة تحتاج إلى شجاعة، لا مجرد مساحة مفتوحة للأحلام.

صرنا أكثر حذرًا في الفرح، كأننا نخشى أن يُسجَّل علينا فائض الأمل، وأكثر اقتصادًا في الأحلام، كأن العالم يمرّ بمرحلة تقشّف عاطفي. تعلمنا أن نخفض سقف التوقعات، وأن نُخفي قلقنا خلف ابتساماتٍ مدروسة، وأن نتابع الأخبار كمن يتابع امتحانًا طويلًا لا يعرف متى ينتهي.

ومع ذلك، لم يكن كل ما حدث انطفاءً خالصًا. فبين الركام ظهرت قدرة خفية على التكيّف، على اختراع مساحات نجاة صغيرة، على تحويل البيوت إلى عوالم مصغّرة حين تضيق الأرض. اكتشفنا أن الإنسان، مهما ضاق به الزمن، يبتكر معنى للبقاء. وأن إعادة تشكيل العالم لا تعني دائمًا هدمه، بل ربما تعني هدم الصورة التي اعتدناها عنه.

كبرنا ونحن نظنّ أن النهاية خيال، ثم اكتشفنا أنها احتمال يتكرر في الأخبار. لكننا اكتشفنا أيضًا أن البدء من جديد ليس خيالًا. ففي كل مرة ظننا أن العالم ينهار، كان شيءٌ في داخلنا يتماسك أكثر؛ وعيٌ بهشاشتنا، وإدراكٌ لقيمة ما يبقى: كلمة صادقة، يدٌ تمتدّ في الوقت المناسب، قلبٌ يصرّ — رغم كل العناوين الثقيلة — أن يؤمن بأن الغد ليس مجرد تتمة للخبر، بل فرصة أخرى للحياة.

هدى حجاجى أحمد حين صارت النهاية خبرًا عابرًا الجارديان المصرية