الأربعاء 4 مارس 2026 04:27 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : مع رياحين رمضان (3)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

مازال الحديث غضا طريا برياحين شهر رمضان المعظم ، بل ومتواصلا لإعجاز قوله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا" محور مقالات هذا الشهر المبارك .. واستئنافا لوسائل التقدم التي لا تعد ، ولا تحصى ، والتي قدمها الله الخالق للناس على طبق من فضة ،هبة منه لمكانتهم عنده ، ومحبته لهم ، فقد تم الحديث عن "العقل" في المقالة السابقة كأوّل هذه الوسائل ، وبمزيد من التمحيص ، والتمعّن في قوله تعالى "اتَّقُوا رَبَّكُمُ" يمكن أن نستنتج العنصر الثانى لهذه الوسائل ، ويشتمل هذا العنصر على عدد لا حصر له من مخلوقات الله "سماء ، وأرضا ، وبحارا ، وأنهارا ،
وجبالا ، وطيورا ، وحيوانات ، و ... ألخ كالحشرات ، وما دونها" وكل منها يحتاج لحديث خاص بها ، لبيان عظمة قدرة الله ، وإعجازه فيهم ، ولست بصدد ذلك ، بل هي تأملات في هذه المخلوقات ، التي عرضها الله علينا ، ونراها ،فاستنتجت أن الهدف من خلقها أيضا أشياء أخرى ، وكأن الله تعالى يقول لجميع الناس : أن هذا الكون بكل ما فيه ، أنا الذى خلقته ، وهو هدية منى لكم ، فاستفيدوا منه ، وحافظوا عليه ، ولا تفسدوه عمدا ،واستهتارا، وعبثا ، فقال"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين" لأنه يعتبر مادة سخية لا تنضب مياهها ، ولا تجف عينها لبحوثكم العلمية ، والفكرية فى جميع مجالات حياتكم ، وذلك بإعمال عقولكم بالبحث ، والتنقيب ، والاكتشاف لكل جديد ، فقوموا بدراسة هذه المخلوقات جيدا ، وسيكون الكون كله طيّعا لكم ، ومسخرا لكم بأمرى ، ولن يأبى أحد منهم بما تقومون به من دراستكم لهم ، وبحوثكم العلمية فيهم ، ولن يرفع أحد منهم رأسه ليمتنع .. يقول تعالى "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون" وقال أيضا "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ
الْأَنْهَار*وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار" بل وهبت لكم كل ما تتمنّوه من نعم لا تعدّ ، ولا تحصى ، يقول تعالى "وَآتَاكُم مِّن كلِّ مَا
سأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" حتى مشاعركم ، وأحاسيسكم ، فقد
وهبت لكم من المناظر الخلابة التي خلقتها ما يخترق أجسادكم حتى تصل إلى شغاف قلوبكم ، وتستولى على عروش نفوسكم لتريحها من زخم الحياة ، وضجيجها ، وضوضائها ، بل أنها تجذب أعين الفنانين ، فيرسمونها بدقة ليفرغوا طاقاتهم الحسّية ، ومشاعرهم الفيّاضة فيما يرسمونه ، وكل ذلك كى
تتقدموا في جميع المجالات ، كالمجالات العلمية ، والفكرية ، والعقلية ، والحسّية
، والخلقية ، والنفسية ، والاجتماعية ،والحضارية ، والاقتصادية ، والتربوية ، والصحية ، وتزدهروا كما تزدهر الأزهار ، وتترعرع بقدوم الربيع ، وتدوسوا
بأقدامكم على التخلف ، والإنحدار ، وتستأصلوا سرطان الجهالة من عقولكم ، وتلقوا التقاليد البائدة التي ورثتموها في صناديق القمامة ... والآن سأطرح عليكم
بعض الأسئلة ، فكروا فيها جيدا ، ثم أجيبونى عليها ، يقول تعالى "أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ؟ ! بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُون* أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ
اللَّهِ ؟ ! بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون* أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّه ؟ ! قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُون* أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّه ؟ ! تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون"
ألم تفكروا يوما من خلق هذا كله ؟ ! ألم يرشدكم عقلكم ، وكل ما خلقت لكم ، وما وهبت من نعم لا تعد ، ولا تحصى بى ؟ ! أيستطيع أحد منكم ، أن يخلق شيئا واحدا مما خلقته ؟ ! أنا لا أقول : أخلقوا سماء ، ولا أرضا ، ولكنى أخاطبكم
بأسلوب منطقىّ كى تفكروا به "أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُون*أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نحْنُ الْخَالِقُون ؟
وأقول لكم أيضا "أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُون* أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُون ؟ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُون" وفى موضع آخر يصرح الله تعالى بألوهيته ، ويقولها مدوّية كى يسمعها القاصى ، والدانى ، فيقول :
"إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْما"

زكريا سليمان مع رياحين رمضان (3) الجارديان المصرية