الأحد 21 أبريل 2024 01:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الومضه الثالثه والعشرون ( جزء ثان)

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : المعاطف الصفراء.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

اذ أردت ان تسترجع ذكريات الحرب العالميه الثانيه فعليك بالذهاب الي قري شمال الدلتا وبالتحديد قريه القواسم ، فهناك اثرا قد خلفه الحلفاء بعد انتهاء الحرب ، والاثر في حقيقه الامر لم يكن لأحد الاسلحه القديمه المستخدمه في الحرب الضروس ولا مقبره لجندي من جنود الحلفا والمحور ، ولكن هذا الاثر يمشي مترجلا ويسعي مع صاحبه يصاحبه في الحل والترحال ، والحكايه ان فلاحين الدلتا كانوا يساعدون الحلفاء ليس حبا فيهم ولا كرها في هتلر ولكنهم كانوا يبغون الحصول علي هذا الاثر ليظلوا متفردين عن باقي بقاع العالم في نيل شئ مفيد من مخلفات الحرب، وخاصه ان هذا الاثر لايمكنه ان يبلي الا بعد حين ، وربما يمكث هذا الحين الف عام ، هذا الاثر كان لايستغني عنه اي جندي من جنود الحلفاء ، فهو يمثل خيمته التي تأويه ودرعه الذي يحميه ، كان هذا الاثر يمثل حملا ثقيلا علي الجنود واحيانا يعوق تحركاتهم اثناء الحرب ولكنه ضروري جدا اثناء النزال واحتدام المعارك .
بعد انتهاء الحرب اهدي كثير من جنود التحالف هذا الاثر الذي لم يعدون في حاجه اليه الي كثير من خفراء الدرك في شتيَ ارجاء المحروسه والقري والنجوع ، يتحرك به شيخ الغفر الريس شحاته ومن معه من غفر عزبه القواسم حاملينه علي اكتافهم وملتحفين به كالخيمه يتدثرون به من برد شتاء الدلتا القارص، ذالك المعطف الاصفر العتيق الذي صنعه الحلفاء لجنودهم خصيصا لخوض غمار الحرب ضد الالمان وصل الي قريه القواسم شمال الدلتا ،يلتحف به شحاته واصحابه يفرضون به النظام والهيبه في البلاد ويحمون رقاب العباد، كان عم شحاته دائم الزهو بما يرتدي من اثر شارك في الحرب العالميه الثانيه ، لايهمه اذا كان هذا المعطف لاحد من جنود الحلفا قد قضي نحبه، واخر فلت بأعجوبه من الموت ومازال الي الان حي علي صدره وشاح وميداليه تشهد انه من المحاربون القدماء ، تلكم اللقب الذي خلع عليه يوما بعدها نسيه الناس تمام كالمعطف المهترئ الذي ارتداه يوما في حرب ضروس والان انتقل الي غيره بغير بطولات ولاتضحيات، وتاه في بقعه نائيه من العالم لايعلم احدا مصيره .
في احدي المرات سخر احد الفلاحين الكاره للانجليز من معطف شحاته ووصفه بأنه كالخيمه تتحرك بين الناس ثم ذاد يلعن ابوهم يوم احتلوا البلاد، ثم ذاد بأن البالطو الاسود المصنوع في مصانع الدلتا هو اولي بالارتداء ويمكنه الحصول علي نفس اللون الكاكي منه لكي يناسب مقتضيات وظيفته، فما كان من شحاته انه لعن ابوه واللي خلفوه وعاجله :
انا عارفك انك حبيب للالمان ، طب ياروح امك اننا لم نستفد من الالمان ( المحور) شيئا غير غرس مزيدا من الالغام علي ارض العالمين ، بينما الانجليز خلفوا لنا مئات المعاطف الصفراء، اهوا حاجه والسلام كي لا نخرج من حرب العوالم صفر اليدين يكفيهم حق الفيتو ويكفينا منهم المعاطف الصفراء ، اهو حاجه والسلام، كان بالقرب منهم افندي من الافنديات يرقب حوارهم عن كثب، فبرقت له فكره عظيمه ، ماذا لوجمع تلكم المعاطف من اهل الدلتا وينقدهم ثمنها وفتح متجرا في المدينه يحوي مئات من معاطف جنود الحرب العالميه الثانيه ، ويتحكم في سلعته فيخلع عليها ابهظ الاثمان حينها سوف يغدوا مليونيرا ، فالمال مغري والفلاحين يحيون طوال حيواتهم في عوز وان جادت عليهم ارضهم الطيبه .
تحققت امنيه مسترق السمع ونجح تخطيطه فيما اراد وجمع المعاطف الثقيله الصفراء من كل حدب وصوب وفتح متجرا اصبح اكثر شهره من كثير من المتاجر العالميه التي تعني بالاثار ، اغتني مسترق السمع ، احتكر كل السلع في بلاده ، وحصل لبلاده علي كل شئ من الخارج يبيعه ويشتريه ولكنه فشل في شراء سلعه واحده تحتكرها الدول المنتصره منذ اتنيلت وانتصرت ، فشل غني الحروب ومسترق الاسماع والاوجاع في شراء حق الفيتو لبلاده لا لشئ الا لانه كان يرضخ دوما لاقامه مجده الشخصي بينما مجد بلاده لايهمه ولايعنيه وهذه صفات معظم اغنياء الحرب والكرب.

علاء عبدالعزيز ومضات المعاطف الصفراء الجارديان المصرية