الثلاثاء 16 أبريل 2024 01:35 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم يكتب : التدبر مفتاح القرآن !!

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

أصلي العشاء والتراويح في مسجد السلام بمدينة طنطا بطريق الكورنيش ، وهو مسجد من المساجد التي تتميز بارتفاع روحانياتها بشكل ملحوظ للكافة !!

ربما يرجع الفضل في ذلك إلي الإخلاص في تشييده من قبل الراحل الحاج يوسف الشال الذي شيده وأخواته علي طراز معماري فريد وأنيق ، كما يعود الفضل فيها وصل إليه من تميز إلي إدارته الموفقة أيما توفيق في جعل الصلاة فيه جلسة روحية متعددة الفوائد . ولعل أبرز أطر الإدارة الجيدة ، وجود طاقم الأئمة الذين يؤومون المصلين في الصلوات علي أروع ما يكون الأمر ، سمتا وأسلوبا .
ويأتي علي رأس هذا الفريق المتميز أمامهم الأكبر سناً.والأكثر تأثيرا في المصلين نتيجة قراءته بالغة الدقة وإحساسه العالي بما ينطق ، وكانه يعيش مع الآية التي ينطقها فيأخذ بأذان المأمومين إلي المعني المقصود من الآية .
ورغم أني لا أعرف إسمه ولم أحاوره بعد ، إلا أني من أشد المعجبين به ، وأفخر أن أكون واحداً ومن تلاميذه الذين يحرصون علي الصلاة خلفه.
ولعل أروع ما يقوم به في صلاة التراويح ، بيان معاني الآيات التي قرأها كل أربع ركعات ، مبينا الدلالات اللغوية والاصطلاحية والمقاصد والمشاهد التي اشتملت عليها الآيات المتلوة ، ليسهم بنصيب وافر في تهذيب النفس، وصناعة الإستفادة من السماع . الأمر الذي يدعونا للفت نظر السادة الذين يتباهون بعدد الختمات القرآنية فيما مضي من ايام رمضان. وقد حولوا القراءة بهذا الشكل إلي أرقام ، دون تحقيق الغاية العظمي للقراءة ألا وهي التدبر !!.

فمن أصغى إلى كلام الله بعقله وتدبره بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا منظومه ولا منثوره.

فالتدبر هو الطاقة الدافعة إلى الفهم والمعرفة والاستنباط، وهو القوة الجالبة للتمثل والتخلق والتطبيق. لذا فقد دعا الخطاب القرآني الناس جميعا إلى التفكر والتبصر والاعتبار، ونهى الناس كافة عن التقليد والتبلد وموت الحس والقلب والضمير ، كما جعل الله الكون والقرآن كتابين ناطقين بالدلائل والبينات والبراهين والمعجزات، فكلاهما يصدق الآخر ويعززه، ويدفع عنه الطعون والشكوك والشبهات، ويتجلى ذلك أكثر فأكثر زماناً بعد زمان وجيلا بعد جيل ، كما هو حاصل اليوم من خلال الفتوحات المذهلة في مجال الإعجاز العلمي للكتاب والسنة حتى يبقى الناس على ذُكر بمقصود خلقهم وبراهين رسالتهم، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ سورة الزمر: الآية ٢٧.

فالقرآن محراب المتدبرين والمستنبطين وعلماء الاجتهاد ، والكون محراب الدارسين والعابدين وعلماء التجارب والماديات ؛ وكلٌّ في فلك يسبحون تدبرا واستنباطا وانتفاعا بمواعظ القرآن وأشفيته ورحماته، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" " سورة يونس" : "الآية ٥٧".

ولا ريب أن الفهم والتدبر والاستباط من أعظم القربات، وأكمل الأعمال، وأوجب الواجبات، وأجل الطاعات؛ لأنه يقود العاقل إلى التأثر والتروي والاعتبار والعمل بموجبات العلم ووصايا الدين ورصيد التجارب، قال تعالى: "لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " سورة الحشر ، الآية (٢١)".

فإذا كان القرآن هو مفتاح القلوب والعقول؛ فإن التدبر هو مفتاح القرآن والسبب الرئيس في معرفة كنوزه وفضائله وثمراته كما أنه هو القائد إلى تمثل الفوائد والحكم القرآنية حتى تكون خُلُقاً في حياة الفرد والأسرة والمجتمع.

ولا جرم إن قلنا أن من فوائد القراءة القرآنية أن تصل القلب بالله، والروح بالغيب، والدنيا بالآخرة، والحياة بطريق رسول الله هديا وسمتا ودلاًّ؛ فلا يأنس القلب بعد تلك المعرفة بغير الله ربا، ولا يقبل غير القرآن نهجا، ولا يرضى بغير الرسول الخاتم قدوة أو دليلاً .
ومن أمارات تلك القراءة المتدبرة حدوث قشعريرة وخشية تعم جلود القارئين وتغشى قلوبهم، وذلك دليل عملي على حصول الهداية، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ سورة الزمر: الآية ٢٣.

فمن أراد الله به خيرا فتح له كنوز القرآن وموائده، وبصَّره بفقه السنن الإلهية ، وحبب إليه هدي الرسول وطريقه، وجعل قرة عينه في السنن والآداب والمآثر النبوية ومعالم الهدى قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ سورة النساء: الآية ١٧٤ "

وتلك لعمري هي النعمة الباقية، والهدف السامق السامي الذي اشرأبَّت إليه عيون العارفين، وطمحت إليه قلوب القارئين المتدبرين وخاض غمار لُجَّته الصحابة الكرام ومن سار على منوالهم في معاركهم الضارية ضد النفس والشيطان والواقع .

ولما كانت هذه الدرجة لا يصل إليها إلا من كان له مع القرآن حالة عظيمة من أحوال التدبر والتبصر والفهم والتعظيم والتصديق ، قصد الانتفاع والتطبيق ، الأمر الذي يلزمنا الي حسن الإشارة إلى التدبر ، للوقوف على المعاني الكلية والضوابط الناظمة للمصطلح ، وما يراد منه عند التطبيق، وما يدل عليه من معاني الخشية والمعرفة والفهم، وما يطرده من آثار الغفلة والفتنة والأمن من مكر الله.

فأصل التدبر: معرفة معنى كل آية وتأمل الأوامر والنواهي، والوقوف علي دلالات الكلم ومراميه البعيدة وتفهم معاني ألفاظه والتفكر فيما تدل عليه آياته مطابقة، وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به، مما لم يعرج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه لأوامره، وأخذ العبرة منه ، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك.
وعليه فإن التدبر هو الوقوف على العواقب تفكرا وتبصرا وإحاطة وتفهما وتدقيقا وتحقيقا واستنباطا وتمحيصا قصد الانتفاع والامتثال والتطبيق وتجسيد مراد الله من دعوة الخلق وهدايتهم.

ومن مهارات التدبر وغاياته ومنافعه وثمراته: إحضار القلب، وإلقاء السمع، وإمعان النظر، وإعمال العقل، وإخلاص النية ، والتفكر والتبصر والاعتبار وفهم معاني القرآن والوقوف عند حدوده موظفا في ذلك قوله تعالى:" (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هكذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) سورة آل عمران الآيات ١٩٠, ١٩١"

فهل يعقل أن يغيب التدبر عند قراءة القرآن، وما يبعثه من الخشية والوجل، والبكاء والتضرع، والإخبات والتخشع ؟! فلله در إبن مسعود رضي الله ، حين قال :"لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل، قفوا عند عجائبه وحركوا به قلوبكم" ، وقال أيضا:"كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهنَّ" فمن أراد العلم، فليثوِّر القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين" ومعنى تثوير القرآن: تدبره والتنقير عن معانيه وكنوزه وعجائبه في كل مجال.
وعن إبن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: "ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب".
وكان الفضيل بن عياض – رحمه الله – يقول: "إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً.
قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه".
وليس معنى فهم القرآن حفظ تفسيره؛ فإن في معاني القرآن متسعا بالغا ومجالا رحبا لأرباب الفهم، وإن المنقول من التفسير ليس منتهى الإدراك فيه" كما بين ذلك ابي حامد الغزالي في إحياء علوم الدين .

قال تعالى في آياته المشهودة: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ.إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) "سورة ق" الآيات ٣٦, ٣٧" .
قال ابن القيم – رحمه الله- في تفسير تلك الآيات : "الناسُ ثلاثةٌ: رجلٌ قلبُه ميتٌ، فذلك الذي لا قلبَ له، فهذا ليست الآيات ذكرى في حقه. الثاني: رجلٌ له قلب حيٌّ مستعدٌّ، لكنه غير مستمعٍ للآيات المتلُوةِ، التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة، إما لعدم وُرُودها، أو لوصولها إليه وقلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصُلُ له الذكرى، مع استعداده ووجود قلبه. والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تُليت عليه الآيات، فأصغى بسمعه، وألقى السمع، وأحضر قلبه، ولم يشغلْه بغير فهم ما يسمعُهُ، فهو شاهدُ القلب، مُلقي السَّمع، فهذا القِسمُ هو الذي ينتفع بالآيات المتلوَّة والمشهودة. فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يُبصر. والثاني: بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه. والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور، وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البُعد والقربِ، فهذا هو الذي يراه.
فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصدور فاعلم أن الرجل قد يكونُ له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يُوقعه على التذكُّر والاعتبار. فإذا سمع الآيات كانت له نُورًا على نور، وهؤلاء أكملُ خلق الله، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً".

الخلاصة.
أن التدبر هو أفضل علاقة تكون بين العبد وكتاب ربه، فهو قول وعمل وسمت وحياة فكرية كريمة في رياض القرآن، وهو عملية منهجية تربوية عقلية روحية تبعث الهداية الحقيقية في القلب، وتطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما. وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتَتُلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة. تُعــرِّفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. كما تـُعرِّفه مراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه. فضلا على أنها تعرِّفُهُ الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.
وتحذره من الشيطان وشركه ، وتؤهله للتمييز بين الحق والباطل ، فتريه الحق حقا، والباطل باطلا، وتعطيه فرقانا ونورا: يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد؛ وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا.

خلاصة الخلاصة:
أن التدبر نور ونبراس ومسلك يوصلك إلى هذه كنوز عظيمة وفوائد جليلة تكسبك هدايةً وبصيرةً، ويقظةً وتوبةً، وعلماً وعملا، وخشيةً وإنابةً، ووجلا وإخباتا، ورحمةً وسعادةً، وطمأنينةً واستقامةً، ومنفعةً واعتباراً، ونجاحاً وتوفيقا، وفوزاً وفلاحًا في الدنيا والآخرة؛
فهلا كونوا من المتدبربن في قراءتكم يرحمكم ربكم .