الأربعاء 29 مايو 2024 02:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور عماد عبدالهادى محمد صديق يكتب :أنموذج البوصلة التَفَكُّرية وفلترة المعلومات من التلوث الفكري التكنولوجي

دكتور عماد عبدالهادى محمد صديق
دكتور عماد عبدالهادى محمد صديق

نحن نعيش في عصر يسهل فيه نشر الأفكار والمعلومات والمعارف، ويجب أن نقدر التنوع الفكري بين البشر وثقافتهم، ويجب علينا أن نتعلم كيف نقرأ ونفحص ، قبل أن نتخذ قراراتنا ونشارك آراءنا، بتفكير، وتأمل، وتدبر، وتَفَكُّر، فإذا لم نَرِثُ من التعليم والتعلم، والتكنولوجيا ومستحدثاتها، والعلم والعلماء، والمثقفين ورواد الفكر... ( التَفَكُّر) فلا خير فيهم، ولذلك فأرى أن ( التَفَكُّر ) هو أكبر الضمانات لمكافحة التلوث الفكري مصداقًا لقوله تعالى:

" أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ" ( الروم:8 )


" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ "

( الدخان:38-39 ) .

" أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ " ( المؤمنون: 115 ).


" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ "( الذاريات: 56 ).


فالعبادة لا تقتصر فقط على إقامة أركان الإسلام الخمس، بل تشمل كل ما يحبه الله تعالى من قول وعمل، كما في
قوله تعالى:

" وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " ( فصلت: 33-34 ) .


وأخيرًا يوم القيامة يتحسر الكفار على عدم إعمال العقل ( التَفَكُّر ) وتعطيله، كما في كتابه الحكيم :

" وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" ( الملك-10 ).

ومن هنا وفي إطار محاولاتي المتعددة منذ أكثر من عشرة سنوات لنشر ثقافة التَفَكُّر في كافة المجالات المعرفية وبخاصة مجال تخصصي ( تكنولوجيا التعليم ) والذي أتشرف بالانتماء إليه، وبناءً عليه تمكنت بفضل الله ونعمه، أن أصل إلى ( مرجعية التَفَكُّر التكنولوجي للتعلم ) التي تنص على أنه:

" تمر المعرفة الإنسانية في أي مجال بشكل منظومي من خلال أربع مستوايات:
( التفكير المعرفي – التفكير التأملي – التفكير التدبري- التَفَكُّر الحِكْمِي )، كل مستوى يتضمن مجموعة من السياقات ( السياق اللُّغوي – السياق الفكري – السياق العاطفي- السياق البصري – السياق الذاتي – السياق المنطقي – السياق التكنولوجي تصميمًا واستخدامًا- السياق الكوني ... ) التي تتدرج في مستوى عمق المعلومات والمعارف في مجال أو موضوع متعلق بمعضلة أو معضلات ما، لمعالجتها بشكل تَفَكُّري، بهدف التوصل إلى التَفَكُّر الحِكْمِي الذي يتضمن ( التَفَكُّر الإبداعي أو الابتكاري، أو التوصل إلى حكمة أوعبرة أو عظة ) ترتقي بفكر وسلوك وعاطفة الإنسان، لتحقيق الغاية من خلق الإنسان في الكون ".

فالتَفَكّر هو لُبّ التكنولوجيا وصميمها، ، وهو الهدف الأسمى الذي يجب أن نرثه من العلم والمعرفة في أي مجال، شاء من شاء وأبا من أبا، حيث يمكن تعريفه بأنه:

التَفَكُّر Contemplation:

هو قدرة الإنسان على إعمال عقله بالتفكير المعرفي، والتأمل الوجداني، والتدبر العقلي في نعم الله وقدرته وإعجازه في خلقه، بالعلم والمعرفة في أي مجال، ليصل إلى حكمة أو عبرة أوعظة، وتمكنه من إدراك علاقات جديدة عند ممارسة أي عمل يقوم به بطريقة إبداعية، تحمل قيماً ترتقي بسلوك الإنسان إلى الأفضل في أي مجال، ووضع خطط لمعالجة المعضلات لتحقيق الغاية من الوجود في الكون، وإثرائه، ومن هنا ينشأ ( التَفَكُّر الإبداعي أو التَفَكُّر الابتكاري )،لا التفكير ( الابداعي أو الابتكاري ). لأن التَفَكُّـر مرتبط بموجبية التفكير الفعال، بمعنى أننا لا يمكن بأي حال من الأحوال وصف التَفَكُّر بأنه ( سلبي أو سالبي ) لأنه أمر من الله.

التلوث الفكري التكنولوجي Technological intellectual pollution:

يُعد أحد أهم التحديات الرئيسية التي تواجهها المنصات الرقمية، ووسائل الإعلام عبر الفضاء الإلكتروني، وأعني بتعريفه أنه:

انتشار المعلومات الخاطئة، والأخبار المزيفة والمضللة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات البث المباشر، ومحركات البحث، والمواقع الإلكترونية الأخرى، بالإضافة إلى انتشار الكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المبهرة، بالاستخدام اللاواعي لها، مما يؤدي ذلك إلى نشر الأفكار الزائفة، وتعزيز التشكيك في المعتقدات، وتحقيق الانقسامات الفكرية بين الأفراد، والأسر، وصناع القرار، وزعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي، ونشر الفساد في الأرض.

وبناءً عليه سأعرض في هذا المقال اقتراحًا لفكرة عمل البوصلة التَفَكُّرية لكل من يتعاملون مع المستحدثات التكنولوجية سواء كانوا مستخدمين أو متخصصين، لفلترة المعلومات والمعارف من التلوث الفكري التكنولوجي، كمثال تطبيقي لتوضيح أهمية ( مرجعية التَفَكُّر التكنولوجي ) في مجال التعليم والتعلم والاتصال، حيث تم الربط بين العناصر الأساسية للاتصال في أنموذج لاسويل، وبين طريقة عمل البوصلة، باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، وسوف أتناولها بشيء من التبسيط خلال السطور القليلة التالية:

شرح الأنموذج ( كما بالشكل الموضح ):


صمم عالم الاتصال الأمريكي ( هارولد لاسويل، 1948 ) أنموذجًا لوصف عملية سريان الاتصال ووظيفته في المجتمع، تناول فيه خمسة أسئلة، يشكل جواب كل منها بعداً أساسيًا من أبعاد سريان الاتصال، وهي :
من؟ ويقصد به ( المرسل )، ويقول ماذا؟ ويقصد به ( الرسالة )، وبأي وسيلة ويقصد ( الوسيلة )، ولمن؟ ويقصد الجمهور ( المُستقبِل )، وبأي تأثير؟ ويقصد الاستجابة، أو ( التغذية المرتجعة ).


البوصلة التَفَكُّرية Contemplative Compass:


إذا كانت البوصلةCompass تُعرف بأنها: أداة ملاحية لتحديد الاتجاهات علي كوكب الأرض و تحتوي علي مؤشر مغناطيسي يدور بحرية ليوجه نفسه بدقة تجاه ( الشمال ) في المجال المغناطيسي للأرض، مما يتيح معرفة باقى الاتجاهات ( الشرق والغرب والجنوب )، فإن البوصلة التَفَكُّرية - من وجهة نظري المتواضعة- تعني بأنها:

قدرة العقل البشري على توجيه الفكر والسلوك، بالتفكير الإيجابي ، والتأمل الوجداني بالقلب والروح والحواس، والتدبر العقلي بالتحليل والنقد والتقييم، وفلترة المعلومات والمعارف، لمعالجة المعضلات، باستخدام مناهج العلم وأدواته، والتكنولوجيا ومستحدثاتها، عند التعامل مع الذات والآخرين، وكل ما يحيط به... تجاه ( التَفَكُّر الحِكْمِي )، أي إلى ( تحقيق الغاية من حكمة وجود المخلوقات، والإنسان، في الكون ).

عناصر أنموذج البوصلة التَفَكُّرية وفلترة المعلومات:

1 - المرسل المُتَفَكِّر The Contemplator Sender :

هو مصدر الرسالة والناقل لها، وهو العنصر الرئيسي في عملية الاتصال، ويجب أن يستخدم بوصلته التَفَكُّرية بهدف تطوير الواقع إلى الأفضل في مجال ما ليكون قدوة تَفكُّرية مسؤولة في تقديم رسالته الباعثة على التذوق الجمالي القيمي للتَفَكُّر الذي تتضمنه الرسالة عند صياغة محتواها، وأرسالها للآخرين، بهدف الارتقاء مع الآخرين عند الاختلاف أو الاتفاق، والاهتداء الأكمل لاختيار وانتقاء أفضل الطرق الإبداعية ( التَفَكُّر الإبداعي ) أو الابتكارية ( التَفَكُّر الابتكاري )، لمعالجات المعضلات التي تتضمنها محتوى رسالته بكل تفاصيلها بشكل دقيق وبسيط ، يحقق الهدف التَفَكُّري منها.
2 – الرسالة التَفَكُّرية The Contemplative Message :

هي المحور الأساسي في عملية الاتصال، ويجب أن يتم تصميمها بانتقاء كافة عناصرها، لتقوم بدورها في تفعيل البوصلة التَفَكُّرية للمتلقي، من حيث صياغة الأفكار والمعلومات ومكوناتها اللغوية وصياغة تَفَكُّرية سواء كانت مكتوبة أو مصورة أو المسموعة أو متحركة... بهدف الإسهام في تحقيق الربط التَفَكُّري بين: ( المعلومات، والمعارف ) المتضمنة في رسالته، وبين ( الغاية من حكمة الخَلْقِ، و الإنسان في الكون ) لدى المستقبلين للرسالة لحثهم على التَفَكُّر الحِكْمِي، فأهم ما يميز الرسالة التَفَكُّرية أنها تفتح أفاقًا جديدة لمزيد من السياقات الموقفية التَفَكُّرية للآخرين، حتى عند إعادة قراءتها أكثر من مرة، إذا كانت مكتوبة بلغة دقيقة سهلة وواضحة وسليمة لتنمية التذوق اللُّغوي عند من يقرأها، أو إعادة الاستماع إليها وخاصة إذا كانت بصوت واضح ينطق بلغة سليمة، ومخارج الألفاظ دقيقة، وتوظيف الموسيقى المعبرة بشكل فني عميق يُثري محتوى الرسالة مع الصوت المنطوق، لتنمية التذوق الاستماعي عند المستمع للرسالة الصوتية، أو إعادة مشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو التي تقدم محتوى يرتقي بالتذوق البصري عند المشاهد لها، وهذا يعني أن الرسالة التَفَكُّرية لابد وأن يكون لها معايير خاصة بها عند تصميم محتواها بكافة الأشكال المرئية والمسموعة، يجب الحرص على تطبيقها ، وتحكيمها وتقويمها، قبل إرسالها للمستقبلين للتأكد من سلامتة محتواها التَفَكُّرية.


3 – سياق الاتصال Communication Context :

والسياق هنا هو كل ما يرتبط ويحيط بالفرد في بيئة الاتصال التفاعلية، واتفق مع ( محمد طاهر، 2020 ) والذي أكد على أهمية السياقات في بيئة الاتصال، فعلى سبيل المثال: لغة الحديث التواصلي والحوار مع الوالدين، والزوجة، والأولاد، والأهل، تختلف عن لغة التواصل في السياق الاجتماعي مع والأصدقاء، والزملاء في العمل ... والغرباء، فلكل منهم مقامه، سواء بشكل رسمي أو عادي، وكذلك سياق الوقت الملائم للاتصال ، وسياق المحيط النفسي، وأود أن أضيف سياقات أخرى هامة، مثل: السياق الثقافي، والسياق العلمي، والسياق التكنولوجي، والسياق العاطفي، والسياق الذاتي، والسياق المنطقي، وسياق الانتماء الوطني، والسياق الكوني.


4 - الوسيلة ( قنوات الاتصال ) Media (Communication Channels) :

هي القنوات التي يتم عن طريقها نقل الرسالة التَفَكُّرية بين المرسل المُتَفَكِّر، والمستقبل المُتَفَكِّر، ومن أهمها، الكتب والصحف والمجلات، سواء كانت ورقية أو إلكترونية يتم من خلالها نقل الأخبار والمعلومات والمعارف والصور ومقاطع الفيديو بواسطة أجهزة الكمبيوتر، والهواتف الذكية، ومواقع ومنصات التواصل الاجتماعي... وغيرها عبر شبكة الإنترنت، فاتجاه البوصلة التَفَكُّرية للفرد هو الذي يحدد الاستخدام الأمثل لتوظيف المستحدثات التكنولوجية كقنوات اتصال، وانتقاء أفضلها بما يتناسب مع طبيعة محتوى الرسالة التَفَكُّرية، والمستقبلين لها .

5 – المستقبل المُتَفَكِّر The Contemplator Receiver :

هو الشخص الذي يستقبل الرسالة من المرسل المُتَفَكِّر عبر قنوات الاتصال، ويجب أن يدرك في كل مرة عند تعامله مع الرسالة الموجهة إليه، أن لديه بوصلته التَفَكُّرية، ويستدعي تفعيلها، مع الحرص على الاستمرار في إعادة ضبطها، نحو وجهتها ( التَفَكُّر الحِكْمِي )، عند تحليل مضمون محتوى الرسالة، ونقده، ومحاولة التوصل إلى إدراك علاقات جديدة لم تكن معروفة لديه، من خلال المعلومات والمعارف والخبرات السابقة، والمكتسبة من الرسالة، والاطلاع على مصادر أخرى موثقة، لها علاقة بمحتوى الرسالة، بهدف التطوير والارتقاء للأفضل من خلال سياقات متعددة في الواقع الحياتي.

6 – الاستجابة والفلترة للمُستقبِل for Receiver The Response and Filtering :

الاستجابة هي أثر ردة فعل المُستقبِل على الرسالة ، من حيث ( التَفَكُّر الإبداعي أو التَفَكُّر الابتكاري )، ويشير مصطلح الفلترة من قِبَل مُستقبِل الرسالة إلى آلية التصفية أو التحكم في المعلومات والأفكار التي يتعرض لها عبر قنوات الاتصال والتكنولوجيا، حسب توجيه البوصلة التَفَكُّرية لمُستقبِل الرسالة، لاكتشاف وفهم العالم من منظورات جديدة مع الوضع في الاعتبار، احترام حرية التنوع والتعددية الفكرية، ووضع وتحديد الإجراءات الوقائية للحد من التلوث الفكري. وهذه الاستجابة والفلترة التي يقوم بها مُستقبِل الرسالة تعمل على تعمل تقوية وتفعيل ودعم البوصلة التَفَكُّرية في عملها لدي المُستقبِل بصفة مستمرة.

7 – التغذية الراجعة Feedback :

ويقصد بها إرسال المُستقبِل المُتَفَكِّر استجاباته وفلترته وردها إلى مرسل الرسالة، ليتعرف المرسل على أثر الرسالة التَفَكُّرية المرسلة للمُستقبِل، وتقييم مدى ما تحقق من أهداف إرسالها، وقياس كفاءة عمل البوصلة التَفَكُّرية للمُستقبِل وقدرته على التفاعل مع هذه الرسالة التَفَكُّرية، وهنا يصبح المرسل مُستقبِل، ويصبح المُستقبِل مرسل.

8 – الفلترة التَفَكُّرية للمُرسل The Contemplative Filtering for Sender :

ويقصد بها استفادة المرسل المُتَفَكِّر من استجابات وفلترة كل مُستقبِل وقدرة كل منهم على تفعيل بوصلته التَفَكُّرية عند تناوله الرسالة التَفَكُّرية المرسلة، ليعمل المرسل المُتَفَكِّر على إعادة صياغتها مرة أخرى بطريقة أكثر إيضاحًا وتَفَكُّرًا.

وأخيـــرًا:

اعتقد بأن الحفاظ على تحقيق الاتصال التَفَكُّري من خلال الأنموذج السابق بين كل من: المرسل المُتَفَكِّر، والمُستقبِل المُتَفَكِّر، والرسالة التَفَكُّرية عبر قنوات الاتصال التكنولوجية، والمتعددة، سيسهم في تصميم بيئة تَفَكُّرية صالحة للاتصال بين البشر في أي وقت وأي مكان وأي مجال، مما يؤدي ذلك إلى توليد طاقة تَفَكُّرية مستمرة ومتجددة ومستدامة لا تنتهي، تعمل على تقوية عمل البوصلة التَفَكُّرية لكل إنسان مُتَفَكِّر.

91b3c96198af.jpg