السبت 25 مايو 2024 01:30 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الومضه الثانيه والثلاثون ( جزء ثان).

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : الجيلاتي المر.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

دخل الطفل" تيحه" الي سوق العمل مبكرا وخرج منه منه ايضا مبكرا، والحكايه ان تيحه عمل عند حسن وابور الجاز مضطرا من اجل ان يمنحه حسن راتب يومي قدره عشر قروش ( باريزه) لان أباه أمسك عنه المصروف اليومي الذي كان يمنحه إياه خلال شهور الدراسه ، أما في الاجازه الصيفيه فلاداعي للاب ان ينقد ابنه المصروف فتزيد عليه أعباء الحياه ، بيد ان مغريات الصرف والشراء في حاره السلطان كثيره ، حيث يدخل اليها في هبوب نسمه العصاري كثير من الباعه الجائلين وفي مقدمتهم صندوق جيلاتي الدمياطي المحمول علي عجله جر خلفي، يسيل له لعاب الصغير والكبير في الحاره يُرطب الافواه الجافه، فيهرع اليه الكثير يسعون لاطفاء ظمأهم، يتحسر الطفل الصغير وهو يري تكالب الزبائن علي عجله الدمياطي وازدحامهم حول صندوقه المتخم بالثلوج تحفظ ثلاث اوعيه ملئت بجيلاتي اليمون والبرتقال والمانجو ، والشيكولاته بحفظها مجمده في وعاء علي هيئه قطع كبيره من الورق الشفاف ، الطفل لايستطيع الصبر طوال اشهر الاجازه دون مصروف فقرر ان يعمل عند حسن وابور الجاز لجل توفير ثمن الجيلاتي والتين الشوكي والذره المشوي .
في البدايه احس الطفل بأنه مسجون داخل اربعه حوائط مكسوه بالهباب الاسود ورائحه الجاز تنبعث من كل مكان ، ولكنه حمد الله ان حسن وابور الجاز كان قصير القامه فاستطاع الوقوف بجانبه علي طاوله العمل التي تحمل علي ظهرها كثير من بواجير الغاز وظن حينه ان بمقدوره تعلم الصنعه وان يغدو صنايعي مثله راس براس، كان الطفل يغدو ويروح في الدكان الضيق يأمره معلمه ان يأتي بفنيه أوالكباس أويناوله شاكوش بعيدا عن متناول يده او يضع كُبس البشبوري في فيشه الكهرباء ، اعمال بسيطه يمكنه القيام بها بسهوله لجل الحصول علي باريزه .
وابور الجاز كان احيانا يترك المحل لعمل زيارات خارجبه داخل البيوت ، في ذالك اليوم أمر صبيه ان يُعبأ قطع الغيار في صندوق معدني كبير واوصاه حينها الا ينسي البشبوري ،،،،،
قبل ان يحمل الاسطي حسن صندوقه المعدني ، خلع العفريته الزرقاء الذي يرتديها مجبرا لزوم العمل وارتدي ملابس الزياره الخارجيه ، ولما انتهي طلب من صبيه تيحه رأيه في شياكته اللافته للنظر ، فكتم الطفل ضحتكه واردف:
ولا احسن دكتور يامعلم !
خرج المعلم حسن وابور الجاز من الدكان تاركا اياه في عهده الصبي ، وما أن دلف حسن خارجا حتي دخلت الي المحل امرأه سمينه تسأل عن وابور جاز لها جاءت به منذ يومين ووعدها "حسن" بتصليح الفُنيه والكباس ، ساعتها ضرب الصبي لخمه ولم يعلم ماذا يقول للمرأه الثمينه ، واحس ساعتها بالمسئوليه وحَمّل نفسه فوق طاقته ووعد المرأه ان يقوم مقام الاسطي حسن في اصلاح الفنيه والكباس ، لم يكن الطفل يملك من الخبره الكثير ولكنه اضطر يومها لتقليد سيده ، لف الطفل ودار حول طاوله العمل يبحث عن آله اوشاكوشا هنا وهناك ليقلد المعلم في الاصلاح ، تغير وجه المرأه وهي ترقب الطفل وهو يعبث بوابور جازها، وصاحت:
ايه يابني الشاكوش ده وحتعمل ببه ايه؟
صبرك عليً ياحاجه ، خمس دقائق وسوف يكون في حوزتك باجور الجاز سليما ، وفي احدي لحظات الانتحار الوظيفي ، وقله الحيله ، امسك الطفل "ذات العينين ملتصقه الاحداق"، بالشاكوش وهاتك يارزع في وابور المرأه السمينه حتي أتلف العمه والطاره النحاسيه فلحقت بالفونيه والكباس ، واضحي وابور جاز المرأه السمينه خرده في دخول المعلم الذي صاح في الطفل:
بتهبب ايه مين اللي اوحي لك انك بقيت صنايعي وخبير في إ صلاح بواجير الناس ، اتفضل امشي ولا اري وجهك هنا مره اخري ، اعتذر حسن باجور الجاز للمرأه السمينة وزوجها ابو سيد الذي كان ينتظر الوابور هو الاخر لملئ معدته بطعام الغداء ، وكلفه هذا الاعتذار باجورا جديدا عوضا عن باجورها الذي اتلفه الطفل تماما، وخرجت المرأه من الدكان فائزه وخرج الطفل من نفس المكان مهزوما حزينا يفكر في بوله الجيلاتي التي ضن بها عليه الجميع فهو لايزل طفلا لايحسب له احدا حسابا.