الخميس 22 يناير 2026 11:16 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تهادوا تحابوا

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

قال رسول الله ﷺ "تهادوا تحابوا" فلن أتحدث عن بلاغة الرسول ﷺ ولا عن
فصاحته ، ولا عن إيجاز ذلك الحديث الشريف ، الذى يتكوّن من كلمتين فقط ، ولكنهما يحملان معانى نفسية ، واجتماعية ، ولغوية ، وأخلاقية جمّة ، ولكن سيكون الحديث عن نوع الهدية ، والتي تختلف من شخص لآخر ، فمنها على سبيل المثال هدايا كالمعادن النفيسة ، والمعادن النفيسة لها قيمتها ، ومكانتها عند جميع الناس ،قديما ، وحديثا ، ولها أسواقها الخاصة بها ،ولها أيضا روّادها وروّادها الأثرياء فقط ، لأن معهم من المال ليقتنوا من ذلك السوق بقدر ما معهم من المال .. وفى ذلك السوق سيجدون كثيرا من المعروضات الذهبية ، واللآلئ
المختلفة في نقوشها ، ورسومها الرائعة ، وسيقفون حيارى أمام تلكم المعروضات المذهلة ، ويسألون أنفسهم : يا ترى أيهم سنقتنيه ؟ ! فيتمنى الواحد منهم أن يشترى كل ما في السوق ، ولكن قدرتهم المالية لن تسمح بذلك ، ولن تتحمّله ..
وكذلك كتاب الله تعالى ، بل هو أجلّ من ذلك ، وأعظم ، فهو لا يقدر بمال ، ولا بأي ثمن .. كما أن كنوزه ملآى بالمعجزات التي لا تنتهى عجائبه ، ويعجز عن تقليده أحد ، ولن يستطيع أن يماثله أحد ، ولا يشابهه ، ولذا قد تحداهم الله ، وذكر ذلك مدوّية لكل العصور ، والأزمنة ، فقال "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ علي أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا" بل أنه قد تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة كما في القرآن"وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا
علي عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ ولكنهم عجزوا ، ومازال ذلكم التحدي صادقا وقائما حتى الآن ، بل يشمل كل العصور القادمة أيضا .كما أن كنوز كتاب الله تجذب كل ذي لب رشيد ، وعقل واع ، وفكر مستنير، وقلب
نابض ، فكيف يماثله أحد ؟ ! وكيف يقدر بثمن ؟ ! كما أنه يحتاج العقول المعتدلة التي لا اختلال فيها ،والقلوب السويّة التي لا هوى فيها ،ويحتاج إلى تأن لا تسرّع فيه بالحكم ، أو القرار عليه مسبقا ، قبل أن يقرأه ! كما يجب أن يتحلى قارئه بالشرف ، والنزاهة ، فالاعتراف بالحق ليس عيبا ، تنكسر بها الأعين ،وتطأطأ لها الرؤوس ، بل هو كمال العزة الشامخة ، وتمام الشجاعة الأدبية الراسخة ، فقديما قد أقرّ به الكثير ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر "الوليد بن المغيرة" بالرغم أنه لم يكن مؤمنا بالله ، ولا بكتابه ، ولا برسوله ﷺ فحينما
سمع القرآن من فم الرسول ﷺ مباشرة ، فقال منصفا "إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته" ولكن أرباب الأفق الضيقة ، والعقول المتحجّرة ، والقلوب الغليظة لم يعجبهم ذلك الكلام ، وقالوا له : "لقد سحرك محمد" ! عجبا لمقالتهم هذه ! وأين السحر ؟ ! عجبا
وفي العصر الحديث ترى كثير من المستشرقين المنصفين الذين شهدوا بمكانة كتاب الله تعالى ، وعظمته ، ومن أمثال ذلك "موريس بوكاي ، ومكسيم رودنسون ، وشيبس" وقال الأخير : يعتقد بعض العلماء أن القرآن كلام محَمَّد ، وهذا هو الخطأ المحض ، فالقرآن هو كلام الله تعالى الموحى على لسان رسوله محَمَّد ، وليس في استطاعة محَمَد ، ذلك الرجل الأمِّي في تلك العصور الغابرة أنْ يأتينا بكلام تحار فيه عقول الحكماء ، ويهدي به الناس من الظلمات إلى النور" ثم
استطرد قائلا : لا تعجبوا فإنِّي درستُ القرآن ، فوجدت فيه تلك المعاني العالية ، والنظم المحكم ، وتلك البلاغة التي لم أرَ مثلها قطُّ ،فجملة واحدةٌ تغني عن مؤلَّفا "ومن خلال ذلك ، هيا بنا ندخل في سوق كتاب الله ، ونختار منه كنزا واحدا فقط من كنوزه النفيسة ، فاخترت لكم كنزا واحدا من كنوزه الثمينة التي لا تقدر بثمن ،ولن أعلق عليها بأي كلمة ، فهي التي ستتحدث عن نفسها ، لأهدى بها أخوتى ، وأحبابي من جميع الناس ، فأرجو أن تتقبلوا منى تلكم الهدية ، يقول تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ ، وَالْمَطْلُوب"
فما أروع كنوز كتاب الله ! وما أشدّ بلاغتها ! وما أعجز ما تحتويه من علم في جميع المجالات ! وما أجملها من هدية !

زكريا سليمان تهادوا تحابوا الجارديان المصرية