الأحد 8 فبراير 2026 12:42 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد خليفة ... يكتب : حين يصبح العقاب شكليًا

الكاتب الكبير محمد خليفة
الكاتب الكبير محمد خليفة

في كثير من المؤسسات لا يقاس العقاب بصرامته ولا بعدالته بل بقدرته على أن يبدو عقابا أمام الأوراق والتقارير وهنا تبدأ المعضلة الكبرى عقاب يكتب أكثر مما يمارس ويعلن أكثر مما يطبق ويستخدم كواجهة أكثر مما يستخدم كأداة إصلاح وردع.
فالعقاب في جوهره ليس انتقاما بل رسالة رسالة تقول إن هناك حدودا لا يجوز تجاوزها وإن النظام ليس مجرد نصوص بل إرادة نافذة لكن حين يتحول العقاب إلى إجراء مؤقت أو شكلي أو هزيل فإنه يفقد هذه الرسالة بل يعكس رسالة معاكسة تمامًا.
ففي كثير من السياقات نرى نمطا متكررا من العقاب هذا النمط لا يصنع انضباطا بل يصنع ثقافة استهانة فالعقاب الهش حين لا يشعر المخطئ بثمن فعلي.
فالعقاب الهش هو ذلك العقاب الذي لا يغير السلوك ولا يهز الامتيازات ولا يمس مركز القوة ففي هذه الحالة تتحول المخالفة إلى مخاطرة محسوبة ويصبح الخطأ جزءا من اللعبة المؤسسية لا خروجا عنها.
والعقاب الزائف حين يكون العقاب مسرحية فهو أخطر مـن العقاب الهش
هو ذلك الذي يمارس لإرضاء الرأي العام أو لإغلاق ملف لا لإحقاق العدالة.
فالعقاب هنا يصبح " أداة إدارة أزمة إعلامية " لا أداة إصلاح مؤسسي.
فالعقاب المؤقت حين تكون العقوبة استراحة لا نهاية ففي كثير من المؤسسات يستخدم الإيقاف المؤقت أو الحجز الإداري أو التجميد الوظيفي كأقصى درجات الردع.
لكن حين يكون الجميع متأكدا أن العودة قادمة وأن الزمن سيغلق الملف يتحول العقاب إلى فترة استراحة أو إعادة تموضع لا إلى مراجعة أو ردع.
والمفارقة خطيرة هنا فالمخطئ يعود غالبا أقوى أكثر حذرا في الشكل وأكثر براعة في التحايل على النظام لانه عق ناقص لا يردع بل يدرب على الإفلات.
هو يعلم المخطئ أين تقع الخطوط الحمراء وكيف يقترب منها دون تجاوزها وكيف يخطئ دون أن يعاقَب فعليا.
فهناك مؤسسات يتكون ما يشبه بـــ " ثقافة حدود العقاب " وهكذا يصبح النظام معروفا ويمكن التلاعب به ويصبح العقاب جزءا من الحسابات لا من الأخلاق.
فالعقاب شكليا تحدث ثلاث كوارث متزامنة " يفقد النظام هيبته الداخلية" ويعرف الجميع أن الانضباط مسألة شكلية " يفقد العاملون الشرفاء الثقة في العدالة ويتحول الالتزام إلى سذاجة "تتآكل سمعة المؤسسة خارجيا" لأن الجمهور يدرك أن المحاسبة مجرد إعلان.
فالعقاب الناقص لا يعاقب المخطئ فقط بل يعاقب المؤسسة نفسها بثقافة ضعف مزمنة.
لان مشكلة كثير من المؤسسات لا تريد عقابا حقيقيا بل تريد إدارة هادئة للأزمات فالعقاب الحقيقي يخلق صراعات يكشف شبكات نفوذ يهز استقرارا زائفا أما العقاب الشكلي فيحافظ على الصورة دون تغيير الواقع وهنا يتحول العقاب من أداة عدالة إلى أداة علاقات عامة
فالعقاب الشكلي يبدو هادئا لكنه يحدث تغييرات عميقة وخفية يغير ثقافة المؤسسة ويعيد تعريف الخطأ ويحول العدالة إلى إجراء ويحول القانون إلى ديكور تنظيمي.
وأخطر أنواع العقاب ليس القاسي بل الناقص الهش المؤقت والزائف أنه لا يكسر الخطأ بل يمنحه فرصة أن يتقن نفسه ويصبح جزءا من النظام بدل أن يكون استثناء عنه.


# كاتب المقال: محمد خليفة ...
مستشار التطـــوير المؤسسي وإدارة المخاطر

محمد خليفة .. . حين يصبح العقاب شكليًا الجارديان المصرية