الأحد 8 فبراير 2026 12:44 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتورة خلود حميدة تكتب: دم الحيض والخلايا الجذعية

دكتورة خلود حميدة
دكتورة خلود حميدة

تتناول هذه الكتابة موضوعًا علميًا جديدًا ومثيرًا جديرًا بالاهتمام، يتمثل في الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحيض. ويأتي هذا البحث ضمن الجهود المتنامية لفهم إمكانيات العلاج بالخلايا الجذعية، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الطب الحديث. من أجل استيعاب هذا الموضوع بشكل أعمق، يتطلب الأمر أولًا تسليط الضوء على بعض المفاهيم الأساسية المتعلقة بدم الحيض وعلاقته ببنية ووظيفة الرحم. الدورة الشهرية تُعدّ عملية بيولوجية طبيعية تحدث لدى النساء على نحو دوري كل 28 يومًا تقريبًا، وتهدف أساسًا إلى تهيئة الرحم لاستقبال بويضة مخصبة إذا حدث حمل. في حال عدم حدوث الإخصاب، يقوم الجسم بتجديد بطانة الرحم من خلال تحلل الطبقة المُعَدّة سلفًا لإفساح المجال لتكوين أخرى جديدة، وذلك ما يظهر على هيئة دم الحيض. إذا نظرنا إلى التركيب التشريحي للرحم، نجد أنه يتألف من عدة طبقات متميزة. أولها بطانة الرحم (Endometrium)، وهي الطبقة الداخلية التي تحتوي على أوعية دموية وأنواع متعددة من الخلايا. تنقسم هذه البطانة إلى طبقتين أساسيتين: الأولى هي الطبقة الوظيفية (Functional layer) التي تتجدد شهريًا استعدادًا للحمل، وتتدهور وتسقط إذا لم يحدث حمل. والثانية هي الطبقة القاعدية (Basal layer)، وهي طبقة ثابتة وعميقة مسؤولة عن إنتاج خلايا جديدة تساهم في إعادة بناء الطبقة الوظيفية شهريًا. بالإضافة إلى ذلك، يتألف الرحم من عضلة الرحم (Myometrium) التي تسهم في انقباضه أثناء الدورة الشهرية أو الولادة، ومن غشاء رقيق يُدعى السطح البريتوني (Perimetrium) يغطي الرحم من الخارج. من هنا تأتي فكرة العلاقة بين دم الحيض والخلايا الجذعية. تلك الخلايا، التي يتم استخراجها من دم الحيض، تنشأ أساسًا في الطبقة القاعدية من بطانة الرحم. وبما أن الطبقة الوظيفية تتجدد بشكل دوري، فإنها تعتمد على خلايا قاعدية تتكاثر لإنتاج خلايا جديدة تعيد بناءها. في أثناء الحيض، يتم طرح جزء من هذه الخلايا الجذعية مع الدم الناتج عن انهيار الطبقة الوظيفية، وهو ما أثار الانتباه العلمي نحو إمكانية استغلال هذا المورد الحيوي كمصدر غير جراحي للخلايا الجذعية. ظهر مصطلح "الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحيض" (Menstrual Derived Stem Cells - MenSCs) للإشارة إلى هذا النوع الفريد من الخلايا الجذعية التي تُعتبر تصنيفًا من الخلايا الجذعية الميزنكيمية (mesenchymal stem cells). تتميز هذه الخلايا بقدرتها الكبيرة على التحول إلى أنماط مختلفة من الأنسجة. نال هذا المجال اهتمامًا واسعًا في المجتمع العلمي بفضل السمات الفريدة لهذه الخلايا. أولاً، يُمكن جمعها بطريقة غير جراحية وبسهولة خلال فترة الطمث، مما يتيح تكرار العملية شهريًا دون تعرض النساء لمخاطر جسيمة أو مضاعفات صحية خطيرة. ثانيًا، تتوافر كميات كبيرة من هذه الخلايا، وهي تمتاز بسرعة تكاثر عالية وقدرة منخفضة على تحفيز الاستجابات المناعية، ما يقلل احتمالية رفض الجسم لها. علاوة على ذلك، لا ترتبط هذه الخلايا بمسائل أخلاقية مثيرة للجدل كما هو الحال مع أنواع أخرى من الخلايا الجذعية. الدراسات الحديثة التي أجريت على هذه الخلايا أثبتت قدرتها على التمايز إلى أنماط أنسجة متعددة، ما يمنحها إمكانات علاجية واسعة. ولم تقتصر دراسة MenSCs على معالجة الأمراض النسائية فقط، بل اشتملت على مشكلات مثل التئام الجروح، واضطرابات الجهاز العصبي، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأمراض كأمراض العضلات والعظام والقلب والكبد والرئتين. كما تم اقتراح إمكانيات استخدام هذه الخلايا لعلاج أمراض مزمنة كداء السكري وبعض أنواع السرطان. بالإضافة إلى ذلك، تشير تقارير علمية حديثة إلى توظيف MenSCs في حالات متنوعة مثل عدوى إنفلونزا H7N9 وفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، فضلًا عن معالجتها لحالات مرضية كفشل القلب والتصلب المتعدد وضمور العضلات (Duchenne Muscular Dystrophy). ومع ذلك، يظل تطوير الأبحاث السريرية الخاصة بهذه

من أبرز مميزات الخلايا الجذعية المستخلصة من دم الحيض (MenSCs) التي أظهرتها الأبحاث: - واحدة من أهم السمات البارزة لـ MenSCs هي أنها تُستخرج بطريقة غير جراحية تمامًا، بعكس الخلايا الجذعية المستخلصة من نخاع العظم (Bone marrow-derived MSCs) التي تتطلب تدخلاً جراحيًا قد يكون مؤلمًا نسبيًا. يتم جمع دم الحيض بسهولة وبدون مخاطر على المتبرعة، مما جعل استخدامها أكثر قبولًا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية. - فيما يخص معدل النمو، تتميز MenSCs بسرعة تكاثر عالية؛ حيث يبلغ متوسط الوقت الذي تستغرقه لتتضاعف حوالي 20 ساعة، وهو أسرع بشكل ملحوظ مقارنة بخلايا نخاع العظم التي تحتاج تقريبًا 40-45 ساعة. هذه السرعة تعتبر ميزة حاسمة في التطبيقات العلاجية، إذ أن عدد الجرعات المعالجة يعتمد بشكل كبير على كمية الخلايا المتوفرة في وقت قياسي. - تُظهر MenSCs استقرارًا جينيًا واضحًا؛ حيث أثبتت الدراسات التي راقبت الخلايا لفترات طويلة من الزراعة في المختبر غياب تشوهات كروموسومية كبيرة، وهو عامل أمان أساسي عند التفكير في استخدام هذه الخلايا بشكل علاجي. - من حيث الشكل والخصائص العامة، فإن MenSCs تشبه الخلايا الليفية (fibroblasts) بمعنى أنها تأخذ شكلًا ممدودًا يشبه المغزل وتلتصق بسطح مزرعة الخلايا، مكوّنةً طبقة متجانسة خلال النمو. - تميل هذه الخلايا إلى إظهار علامات سطح محددة مثل CD9 وCD29 وCD73 وCD90 وCD105، وهي علامات مميزة للخلايا الجذعية الوسيطة (Mesenchymal Stem Cells). على العكس، لا تُعبر هذه الخلايا عن علامات مرتبطة بالخلايا الدموية أو مستضدات HLA-DR المناعية، مما يعني أن قدرتها على تحفيز ردود فعل مناعية منخفضة، ما يعتبر ميزة إضافية في العلاج. - داخل الخلية، تحتوي MenSCs على عوامل مرتبطة بالقدرة على التمايز المتعدد (pluripotency) مثل OCT-4، مما يعزز قدرتها على التحول إلى أنواع مختلفة من الخلايا بفعالية أكبر مقارنة ببعض مصادر أخرى لـ MSCs. - أثبتت الدراسات أيضًا قدرة MenSCs على التمايز إلى مجموعة متنوعة من أنواع الخلايا بدءًا من خلايا العظام والغضاريف والدهون إلى خلايا الكبد والخلايا العصبية وخلايا القلب وحتى خلايا الجلد. هذا التنوع يفتح آفاقًا واسعة لاستخدامها كنماذج علاجية للعديد من الأمراض. أما عن آلية تأثير MenSCs في العلاج، فهي متعددة ومتنوعة؛ إذ لا تعتمد فقط على التمايز المباشر ولكن تلعب الدور الأساسي عن طريق التأثير الإفرازي أو ما يعرف بـ paracrine effect. هذه الخلايا تنتج السيتوكينات وعوامل النمو التي تعمل كإشارات كيميائية تُقلل الالتهاب، تضبط الاستجابة المناعية، وتُحفّز آليات الإصلاح الذاتية في أنسجة الجسم المتضررة. ومن الجدير بالذكر أن هذه العملية تحدث مع تأثير مناعي قليل نظرًا لأن MenSCs لا تحفز استجابات مناعية قوية حتى عند تواجدها في بيئات مصابة أو ملتهبة. ويضاف إلى كل ذلك ميزة أخرى مهمة، وهي قدرة MenSCs على التوجه (homing) إلى مواقع الإصابة بدقة لتدمج نفسها مع الأنسجة المتضررة. هذا يساعد كثيرًا في تعزيز فعاليتها العلاجية سواء من خلال التمايز المباشر إلى النوع المستهدف من الخلايا أو عبر إفراز عناصر تساهم في الشفاء. أما على المستوى الجزيئي، فالدراسات تشير إلى وجود مسارات إشارات معينة تلعب دورًا في سلوك هذه الخلايا. مثلًا، يُعتبر مسار الإشارات Wnt pathway محوريًا في تنظيم نمو وتمايز الـ MenSCs. وُجد أن تعديل هذا المسار عبر مواد مثل LiCl يمكنه تقليل تكاثر الخلايا من خلال التأثير على عامل β-catenin. هذه الاكتشافات تُقدم أمام الباحثين أدوات هامة لفهم آليات التحكم في نمو هذه الخلايا وتعزيز دورها العلاجي مع ضمان مستويات أعلى من الأمان. أخيرًا، يأتي السؤال الأهم: ما هي المجالات البحثية التي تمكنت فعليًا من تسخير قدرات الـ MenSC؟ هذا هو ما جعل دم الحيض يُنظر إليه ككنز علاجي محتمل بدلاً من مجرد فضلات تُطردها أجسادنا

الاهتمام العلمي بالبحث حول دم الحيض والخلايا الجذعية المشتقة منه قد اتخذ مسارات متعددة، وفتح آفاقًا جديدة في عدد من المجالات الطبية والأبحاث الحيوية. أبرز هذه الاتجاهات تتلخص في الآتي:

1- اكتشاف العلامات الحيوية (Biomarker Discovery)** دم الحيض يحتوي على بروتينات، السيتوكينات، microRNAs، والحويصلات خارج الخلوية، وكلها تنبع مباشرة من بطانة الرحم. هذا يجعله عينة مثالية تعكس حالة الرحم بما يشمل الالتهابات والتوازن الهرموني.

2- متابعة الصحة الإنجابية (Reproductive Health Monitoring)** يمثل دم الحيض وسيلة مباشرة لفهم حالة بطانة الرحم واستجابتها للهرمونات، متفوقًا بذلك على السونار والاختبارات الهرمونية التقليدية في تقديم معلومات أدق.

3- بطانة الرحم المهاجرة (Endometriosis)** تحليل دم الحيض يمكن أن يكشف بصمات جزيئية مرتبطة بارتفاع الالتهابات وتغيرات التعبير الجيني المرتبطة بهذا المرض، مما يدعم التشخيص المبكر الذي كان يعتمد سابقًا بشكل كبير على التدخل الجراحي

4- أبحاث الخصوبة (Fertility Research)** من خلال دم الحيض يمكن فهم قدرة بطانة الرحم على استقبال الأجنة، ما يساعد في تفسير حالات فشل الانغراس المتكرر والعقم غير المفسر، خاصة فيما يتعلق بالتوازن المناعي وتجديد البطانة.

5- الخلايا الجذعية المشتقة من الدم (Menstrual-Derived Stem Cells - MenSCs)** هذه الخلايا تتميز بسرعة التكاثر وقابليتها للتمايز المتعدد مع مستويات منخفضة من الاستجابة المناعية. تُمثّل مصدرًا متجددًا وغير جراحي، مما يجعلها واعدة جدًا للاستخدام في العلاج الخلوي، رغم أن البحث حولها لا يزال في مراحله الأولية.

6- التئام الجروح (Wound Healing)** خلايا MenSCs لديها القدرة على التمايز إلى خلايا جلدية مثل الكيراتينوسايتس، ويمكنها الهجرة إلى مناطق الإصابة. تحت الضغط الناتج عن نقص الأكسجين، تعزز إنتاج عوامل نمو مثل VEGF وPDGF وbFGF، مما يساهم في تحسين تكوين الأوعية الدموية وتسريع عملية الشفاء مع تقليل الالتهابات.

7- اضطرابات الجهاز العصبي المركزي (Central Nervous System Disorders) البحوث الأولية تشير إلى إمكانية استخدام هذه الخلايا في تقليل الالتهاب وزيادة بقاء الخلايا العصبية في مرض باركنسون. كما تسهم في تحسين البيئة المناعية للدماغ وتقليل تراكم الأميلويد في الزهايمر. أما في حالات السكتة الدماغية فتساعد على تحسين الوظائف الحركية وتقليل موت الخلايا؛ بالإضافة إلى بوادر إيجابية لاستخدامها في التصلب المتعدد وإصابات النخاع الشوكي.

8- الجهاز العضلي الهيكلي (Musculoskeletal System) تتميز خلايا MenSCs بقدرتها على التمايز إلى غضاريف تعبر عن بروتينات SOX9 وCollagen 9A1، مما يساهم بشكل كبير في إصلاح تلف الغضاريف وتقديم نتائج إيجابية في نماذج حيوانية. كما أنها تحدث تحسنًا عند تطبيقها على أمراض مثل الحثل العضلي الدوشيني ونقص تروية الأطراف.

9- أمراض القلب والأوعية الدموية (Cardiovascular Diseases) تسهم هذه الخلايا في تقليل موت الخلايا (Apoptosis) وتحسين أداء الميتوكوندريا. وفي حالات الاحتشاء القلبي أظهرت قدرتها على تحسين وظائف القلب. التأثير الأساسي لها في هذا السياق يعتمد بشكل أكبر على قدرتها الإفرازية أكثر من التمايز المباشر.

10- أمراض الجهاز التنفسي (Respiratory Diseases) أظهرت خلايا MenSCs والحويصلات خارج الخلوية المشتقة منها نتائج مبشرة في تقليل تليف الرئة والالتهاب الرئوي مع تحسين حالة المرضى الذين يعانون من التليف الرئوي أو إصابات الرئة الحادة. تجارب أولية تشير أيضًا إلى تحسن، وإن كان جزئيًا، لدى مرضى H7N9 وكوفيد-19، إلا أن الأبحاث لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد النتائج الأولية. على الرغم من الإمكانيات الواعدة لهذه الأبحاث والخلايا الجذعية المشتقة من دم الحيض، يجب الإشارة إلى أن المجال لا يزال حديث العهد نسبيًا. معظم

من الجدير بالذكر أن هذا الموضوع لا يمكن اعتباره عيبًا أو أمرًا محظورًا شرعاً أو أخلاقياً. إن هذه الظاهرة، المتجلّية في الدورة الشهرية وما يرافقها من خروج الدم، تُعدّ عملية فسيولوجية طبيعية ومتكررة تحدث شهريًا في جسم الإنسان. ومن هذا المنطلق، يمكن استغلال هذه العملية الحيوية كأساس لتعزيز التطور الطبي وإجراء الأبحاث العلمية، بشرط الالتزام التام بالمعايير الأخلاقية والقوانين الراسخة، وعدم تعريض أي شخص لأي ضرر. الغاية الأساسية هنا تتمثل في توظيف ظاهرة طبيعية بشكل علمي ومنهجي لتحقيق تقدم ملموس، وقد أثمرت النتائج المبدئية عن مؤشرات إيجابية للغاية تشجع على استمرار البحث في هذا المجال. لمن يرغب في الإلمام بالمزيد حول هذا الموضوع بصورة عامة وشاملة، فإنني أوصي بالاطلاع على المراجعة التالية التي تعدّ من أبرز المصادر العلمية المتعلقة بهذا المجال: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC9017471/

كتورة خلود حميدة الجارديان المصرية دم الحيض والخلايا الجذعية