الجمعة 13 فبراير 2026 08:22 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم يكتب : فقه استنطاق النصوص !!

الكاتب الكبير أسماعيل ابوالهيثم
الكاتب الكبير أسماعيل ابوالهيثم

أعتقد ولا ألزمكم إعتماد اعتقادي ، أن جميع الدراسات الرصينة والبحوث الغنية التي تتعلق بنظرية التلقي ، تؤكد على أن أي عمل إبداعي ـــ سرداً كان أم شعراً ــ لا تكتمل أطواره إلّا عبر تلقيه، وتكاد تكون هذه هي المسلمة الأولى والشائعة في جدلية العلاقة العضوية التي تربط (#المعني) بثلاثية الإبداع الأزلية (المؤلف، النص، المتلقي)، وقد باتت بديهة من بديهيات أي عمل أدبي، ومحوراً مركزياً لجميع النظريات والفرضيات التي دارت في فلك هذه الموضوعة.

أما المسلمة الثانية هي أن طرق فهم النص وتأويله باتت متعددة ومتنوعة في تبايناتها واختلافاتها، وذلك لوجود تباين في تعاطي المتلقي نفسه مع النص واختلاف آفاق التلقي، وتعد هذه جزيئية محورية، لأن أفق التلقي يحدد لنا معنى النص وأن أي تغيير يطرأ على هذا الأفق يساهم في تغيير معنى النص كذلك، وفي هذه الحالة فإن أي تأويل أو تفسير للنص لا يعطينا الصورة الحسية للنص فحسب، بل يعكس بصورة معينة أيدلوجية وأفكار متلقيه أيضاً.

صالون الرجدية (قريتي ) الثقافي استضاف في جلسته التي عقدت الخميس الثاني عشر من فبراير ٢٠٢٦ الأستاذ الدكتور سعيد شوقي أستاذ الأدب والنقد الحديث والأدب المقارن بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة المنوفية لإلقاء الضوء علي ذلكم الموضوع بالغ الأهمية ، باعتبار أن الغاية المبتغاة من قراءة أي نص هي الولوج إلي المعني الذي تغياه الكاتب ، وإلا فقدت القراءة أهميتها !! وباعتبار أن وراء أي نص معني ، والناس في تلمس هذا المعني مختلفين ، فهذا يفهمه بشكل ، وآخر يفهمه بشكل مختلف .

من هنا اكتسبت أهمية تلمس المعني من أي نص أو رؤية حتي لوحة تشكيلية، كل تلك الأهمية ، لذا جاءت الجلسة ثرية المخرجات استمتع بها كل الحضور الذين تقدمهم الدكتور أنور هلال استشاري جراحة الأطفال ، والأستاذ فوزي إبراهيم العشري مدير عام الشؤون القانونية بمنطقة الغربية الأزهرية سابقا ، الدكتور كمال سعيد القدح دكتوراة التاريخ الإسلامي ورئيس مجلس إدارة جمعية دار الحكمة الخيرية بقرية نواج عضو إتحاد كتاب الدلتا ، الدكتور فوزي العيسوي يونس الأستاذ بمركز بحوث الصحراء ، وإليه وكلت رئاسة الجلسة ، الدكتور محمد أنور هلال الجراح الشهير ، الدكتور رشاد محمد الطباخ الأستاذ بمركز البحوث الزراعية، الأستاذ إبراهيم عبد الستار عامر رئيس لجنة زكاة العمري الخيرية ، الأستاذ فخر الدين محمد السجاعي مدير عام بالتنظيم والإدارة سابقا ، الأستاذ محمد عبد الحميد يونس مدير عام بشركة الكهرباء سابقا ، الأستاذ أحمد إبراهيم مسلم المدرس الأول بمدرسة الرجدية ، الأستاذ الشيخ احمد منسي بالمركز الإعلامي لمجمع البحوث الإسلامية. وحضر معنا عبر الأثير الأستاذ الدكتور نبيل سرحان أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة طنطا والذي حالت ظروفه ترأسه واشرافه علي مناقشة رسالة دكتوراة في صباح انعقاد الجلسة

بدأ الدكتور سعيد شوقي المحاضرة بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: لا شك أننا ​نقف اليوم أمام سؤال هو الأصعب في تاريخ الفكر الإنساني: ــ. عندم نقرأ نصا ـ ، لمن تعود ملكية المعنى؟
هل للمؤلف ام للنص ، ام المتلقي ؟ أو بمعني ؛ هل نحن بصدد اكتشاف كنز مخبأ وضعه المؤلف في صندوق كلماته؟ أم أننا بصدد خلق المعنى من جديد من قبل المتلقي؟

في ظني ان العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة (المؤلف، النص، القارئ) ليست علاقة خطية بسيطة، بل هي مثلث متداخل تتصارع فيه القوى لتحديد الحقيقة. من هنا تجدر الإشارة بعض النقاط الهامة ، منها :ـ
​أولا: سلطة المؤلف والبحث عن السر المفقود.
​في البدايات، سادت النظرة التقليدية التي ترى أن المعنى هو قصدية المؤلف فقط. حيث كان الإعتقاد أن النص مجرد رسالة مشفرة، وأن القارئ الناجح هو من ينجح في اختراق ذهن الكاتب ليعرف ماذا كان يريد ؟ من هنا كان القارئ مجرد تابع، والمؤلف هو الصانع الصغير لهذا النص، يملك مفاتيح فهمه ويتحكم في مساراته. لكن هذا الطرح سرعان ما انهار أمام حقيقة أن الكلمات بمجرد خروجها من يد صاحبها، تصبح ملكا للمجال العام.

​ثانيا: استقلال النص ومقولة موت المؤلف.
ف​مع التحولات البنيوية، أعلن رولان بارت مقولته الشهيرة: موت المؤلف. والتي تعني أن النص كائن حي ينفصل عن صانعه بمجرد اكتماله. باعتبار أن الكلمات تحمل دلالاتها الخاصة داخل نظام اللغة، والمعنى يكمن في العلاقات بين هذه الكلمات ؛ من هنا أعتبر أن المعنى في بطن النص ؛ وليس في نية صاحبه،ــ كما كان يشاع بأن المعني في بطن الشاعر ــ لقد حرر هذا الطرح النص من سجن السيرة الذاتية للكاتب، وجعل اللغة هي المختبر الوحيد للمعنى.

​ثالثا: القارئ كشريك في الخلق (التأويل).
​هنا نصل إلى المرحلة الأهم: القارئ ليس متلقيا سلبيا، بل هو المتمم لعملية الكتابة. باعتبار أن النص الأدبي مليء بالفراغات والمساحات البيضاء التي لا تكتسب حياة إلا عندما يملأها القارئ بخياله وثقافته وتجربته. وباعتبار القراءة هنا هي أداء يشبه عزف مقطوعة موسيقية؛ الملحن وضع النوتة (النص)، لكن العازف (القارئ) هو من يمنحها الروح والصوت. (والمعنى) بهذا في بطن القارئ!!

​رابعا: النص الديني وأزمة الوساطة.
​عندما ننقل هذا التحليل إلى النص الديني، نجد أنفسنا أمام واقع أكثر تعقيدا. فبينما يظل النص الإلهي ثابتا ومقدسا في مصدره، يظل الفهم بشريا ونسبيا بامتياز. وهنا تبرز الحقيقة الجريئة: إن المسافة بين المنطوق الإلهي المطلق وبين إدراكنا له يملؤها الوسطاء.
فنحن في الواقع لا نتلقى مراد الله في صورته الخام، بل نتلقى ما فهمه المفسر أو الفقيه عن هذا المراد. وبمرور الوقت، ومع تقديسنا لهؤلاء الوسطاء، نقع في فخ تعبد الدلالة؛ أي أننا نقدس الفهم البشري للنص ونظنه هو النص نفسه.

​خامسا: نسبية الحقيقة وصراع الجماعات.
​بناء على ما سبق، نصل إلى نتيجة منطقية وصادمة: طالما أن النص حمال أوجه والقارئ هو من يستنطقه، فإن كل الجماعات الدينية عبر التاريخ ؛ بمختلف مذاهبها وتوجهاتها ؛ مصيبة ومخطئة في آن واحد.
ف​هي مصيبة لأنها وجدت في النص ما يدعم رؤيتها ؛ بفعل سلطة القارئ , ​وهي مخطئة لأنها ادعت أن فهمها النسبي؛ هو الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل.
في هذه الفوضى الدلالية، يصبح الانتصار لجماعة دون غيرها ليس انتصارا للحقيقة، بل هو فعل انحياز شخصي أو سياسي أو اجتماعي يقوم به الفرد.

ثم قدم الدكتور شوقي ​الخلاصة قائلا: ​إن التاريخ يخبرنا بوضوح أن الجميع، منذ فجر الحضارة وحتى يومنا هذا، قد قاموا بتأويل النصوص وتطويع المعاني لتناسب سياقاتهم ومصالحهم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأمانة تجاه أوطاننا وحبنا لبلادنا يفرضان علينا اليوم – ونحن في عام 2026 – أن نمتلك الشجاعة للقيام بـتأويل معاصر.

مضيفا : ​بأنه لا يمكننا أن نبقى رهينة لتأويلات كتبت لزمن غير زماننا، أو لظروف لم تعد موجودة.

مبينا بأننا بحاجة إلى قراءة للنص: تتصالح مع العلم: فلا تصادم العقل والمنطق التجريبي. و ​تنتصر للإنسانية: وتجعل كرامة الإنسان وحقوقه هي الميزان الذي نزن به كل دلالة.
.........
ورغم عدم طول فترة إلقاء المحاضرة ، إلا أن فترة المناقشة اخذت وقت طويلا وأفرزت مخرجات عديدة منها :ـ

* أن جدلية العلاقة العضوية بين ثلاثية الإبداع التي ذكرت في المحاضرة تنفصم بدورها إلى ثنائيتين، الأولى ثنائية (المؤلف- النص)، والثانية هي ثنائية (النص- المتلقي) باعتبار ان جل النظريات الحديثة اتفقت على أن ثنائية (النص- المتلقي) أهم وأخصب من ثنائية (المؤلف- النص)، لأنها حقل خصب للأفكار والرؤى ، ومجال ينبسط على آفاق دلالية واسعة ومتجددة للنص ، قد تكون لا متناهية، لكن المغالاة في فرض إرادة تلقف النص وتلقيه وعدم الاهتمام بالكيفية أو البواعث والخلفيات التي نسج النص على منوالها، قد تكون سبباً في بعض الإشكاليات والعوائق التي تقلل من لذة اتصال المتلقي بالنص، وهذا ما دعا الكثير من النظريات الحديثة أن تقوم بإعادة النظر في بعض الممارسات النقدية والتروي في إعطاء الأحكام النهائية، وحاولت في الوقت ذاته أن تساعد القارئ أو المتلقي عموماً على تفكيك النص من خلال تهيئة الأدوات التحليلية التي تعينه على إيجاد صيرورة جديدة لفهم النص، وبالتالي تشد عضده في عملية إنتاج معنى النص الحقيقي !

كما بينت المناقشات أهمية البحث عن المعنى داخل النص ، وهذا يتطلب قراءة نقدية وفهم السياق عبر تحديد الكلمات المفتاحية، تحليل الأفكار الرئيسية , إعادة الكلمات لجذورها لفهم معاني الكلمات الغامضة أو المتعددة المعاني !

كما أفادت المناقشات إلي أهمية الإقرار بأن إعتماد المعنى على السياق، قد انتابته أطوار ومراحل من تطور الفكر اللساني والمناهج النقدية، زحزحه بعضها من مكانه، سوى أن تلك الزحزحة كان محلها السياق الخارجي؛ ولم يك قطُّ تنكرٌ للسياق عموما.

وأشارت المناقشات إلي جدوي استنطاق الصمت وتفكيك الرموز. ، لبناء الدلالة وإعادة إنتاج النص ، مما يضفي على النص حياة متجددة.

ودعت الجلسة المتلقي بأن يكون شريكا في الإنتاج ، بتحوله من مستهلك سلبي إلى متلقٍّ نشط يساهم في إتمام المعني باعتبار أن أهمية كتابة أي نص هو قراءته، لذلك لا يمكن عزل المتلقي عن النص في الوقت الذي يمكن عزل المؤلف عن النص، بل يمكن إعلان موته كما في بعض النظريات.

وطرحت الجلسة تساؤلا مهما ، ألا وهو : هل التلقي ينحسر ـــ في مرحلة التفسير ــ بمداعبة ماء النص عند الشاطئ الذي هو السطح الخارجي المنظور؟ أم لابد من الولوج بجرأة وإرادة واثقة إلى عباب البحر المتلاطم الأمواج والغوص إلى نقاط قراره وقاعه العميق؟ لاسيما أن (ما ينفع الناس) يمكث في القاع، وهذه العملية تأتي عبر التأويل المعقد الذي يولد لنا عوالم متعددة ومتجددة،


واكدت الجلسة علي أهمية دور المتلقي في تمام النص الأدبي؛ بقولها : أن النص يبقى كسولا إن لم يكن القارئ شريكا في إنتاجه؛ باعتبار أن النص الأدبي أنشئ من أجل القارئ؛ وأنه أثر مفتوح يحيا ويستمر في الوجود من خلال تعدد القراءات.

وأشارت الجلسة إلي أن العملية الإبداعية تسعى في مجمل أهدافها إلى إشراك واسع وفعلي للمتلقي بغية تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل الحثيث مع النصوص .

واكدت الجلسة علي أن النص لا يصرح بكل شيء ولا يكشف عن المضمون للقارئ، ولهذا ينبغي البحث عما " لا يقال” ويقصد بها فكرة مهمة لم يقلها النص ، وعلى المتلقي أن يمعن النظر جيدا عن قراءته أو عند رؤي لوحة تشكيلية، بحيث يحيط نظريا بالمنطقة التي يشتمل عليها إطار اللوحة ويدرك المكونات المختلفة لهذه اللوحة من أشكال وألوان وعلاقات مختلفة، لأن هذه المكونات تمارس تأثيراتها الإدراكية على بعضها البعض بطريقة تجعل المتلقي يستقبل الشكل الكلي باعتباره نتيجة للتفاعل بين مكونات اللوحة المختلفة، ونفس الأمر يمكن قوله بالنسبة للأعمال الإبداعية الأخرى كالموسيقى والرواية والقصة القصيرة والمسرح والشعر،…… الخ.


واختتم الدكتور سعيد شوقي المحاضرة بالتأكيد على أن النص الأدبي ليس مقدساً ويمكن التعديل عليه، لكن الأمر يختلف عند البحث عن المعنى في النص المقدس ، فذلك يتطلب منهجاً استقرائياً يدمج بين القراءة الدقيقة، وتطبيق قواعد تفسير العلماء الثقات للحصول على رؤى أعمق.

واختتمت الجلسة مناقشاتها بالتحذير من المعاظلة في الكلام
باعتباره عيب بلاغي (سوء نظم) يعني تداخل أجزاء الجملة، أو تعقيد التركيب، أو ركوب بعض الألفاظ بعضاً، مما يؤدي إلى خفاء المعنى وغموضه ويصعّب فهمه، تأسيسا علي وصف سيدنا عمر بن الخطاب شعر زهير بن أبي سلمى بأنه لا يعاظل.

واوضحت الجلسة كذلك ، بأن المثل القائل بأن المعني في بطن الشاعر ، قد تطور مفهومه ليصبح "المعنى في بطن القارئ" بعد أن كان المني في بطن النص كمرحلة ثانية بعد صيغته الأولي المعني في بطن الشاعر الراسخة في الأذهان . وطالبت المحاضر المتلقين بالبحث عن المعاني المختبئة في تجاعيد النصوص !!

وتأسيسا علي مخرجات الجلسة ، فإن تراثنا الديني وفي مقدمته القرآن والسنة بحاجة اليوم إلى إعمال مناهج يمكن أن تدخل في حسبانها ما أُطلق عليه «دمج الآفاق»، التي تتطلب من المسلم ألا يقف عند «قشرة النص» بل لابد من الغوص في أعماق المعني لإضاءة زوايا النص، ومنع تحول القراءة إلى «تهويمات تأويلية يمكن أن تبعد النص عن الخط المبتغي منه !!

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم : فقه استنطاق النصوص !! الجارديان المصرية